تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٠ - فصل علماء الكشف و علومهم
و
قد ورد في الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [١]: «إنّ الشيطان ربما سبقكم بالعلم» أقلنا: «يا رسول اللّه- كيف يسبقنا بالعلم؟» قال: «يقول: اطلب العلم و لا تعمل، حتّى تعلم. فلا يزال للعلم قائلا و للعمل مسوّفا حتى يموت و ما عمل».
فصل [علماء الكشف و علومهم]
و اعلم إنّ هذه الآفات و نظائرها إنّما تعتري لعلماء اللسان و أرباب المناظرات و البحوث، و أصحاب المنقولات و طلّاب الفتاوى و الحكومات.
و أمّا علماء العلوم الكشفيّة و المعارف الإلهيّة، فعلومهم يؤدّي إلى الأحوال، و أحوالهم مستتبع الآداب و الأعمال، لأنّهم تأدّبوا بين يدي اللّه بآداب الروحانيين و تخلّقوا بأخلاق الصديقين. فلذلك كان العلم المجبول في قلوبهم منكشفا عليهم، فحصروا نفوسهم عن تقاضي جبلّاتها، و قمعوها عن هواها بصريح العلم في كلّ قول و فعل. لا يصحّ ذلك إلّا لمن لطف سرّه و ذكا روحه، و سلك به إلى الحضور بين يدي اللّه.
قال بعض أصحاب المعارف في العوارف [٢]: «إنّ نفوس العلماء الزاهدين بعد الأخذ عمّا لا بدّ لهم منه في أصل الدين و أساسه من الشرع، أقبلوا على اللّه و انقطعوا إليه، و خلصت أرواحهم إلى مقام القرب منه، فأفاضت أرواحهم على قلوبهم أنوارا و تهيّأت بها قلوبهم لإدراك العلوم.
فأرواحهم ارتفعت عن حدّ إدراك العلوم الجزئيّة بعكوفها على العالم الأزلي،
[١] جاء في إحياء علوم الدين: ١/ ٦٤. و فيه «يسوّفكم» بدل: «يسبقكم».
[٢] عوارف المعارف للسهروردي: الباب الثالث ص ٥٦ من الطبعة الملحقة باحياء علوم الدين. و فيه فروق يسيرة.