تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٨ - فصل التعرف بعلماء الآخرة
بمداواته و إنّما منشأ ذلك عدم ممارسته العلوم الحقيقيّة و عدم اطّلاعه على معرفة النفس و أحوالها و مراتبها- فإنّها امّ الفضائل و أصل الحكمة، و مفتاح سائر المعارف- و جهله بأنّ هذه نفس ثارت و ظهرت بجهلها و تفرعنت لوجود كبرها و بقايا كفرها و أنانيّتها برؤية نفسها خيرا من غيرها، و تكبّرها بإظهار ذلك بفعل او قول.
و أمّا العالم الصوفي الزاهد فلا يميز نفسه بشيء دون المسلمين، فلا يرى نفسه في مقام يميّزها بمجلس مخصوص مميّز. و لو قدر أن يبتلى بمثل هذه الواقعة، و ينقبض من تقديم غيره عليه و ترفّعه يرى حال النفس و ظهورها، و يرى انّ هذا داء يحتاج فيه إلى الدواء، و إنّه إن استرسل فيه بالإصغاء إلى النفس، صار ذلك بالرسوخ مرضا مهلكا. فيرفع في الحال دائه إلى اللّه و يشكو إليه ظهور نفسه، و يحسن الإنابة بقطع دابر ظهور النفس، و يرفع القلب إلى اللّه مستغيثا من النفس، و يشغله في طلب دوائها.
و ربما أقبل على من قعد فوقه بمزيد التواضع و الانكسار تكفيرا لذنبه الموجود، و تداويا لدائه الحاصل.
فينكشف و يتبيّن بهذا الفرق بين الرجلين، و هذا من أوائل علوم الصوفيّة و مبادي أحوالهم. فما ظنّك بنفائس علومهم و شرائف أحوالهم.
و في وصايا لقمان ٨٣ لابنه: «يا بنيّ لا يستطاع العمل إلّا باليقين، و لا يعمل المرء إلّا بقدر يقينه، و لا يقصر عامل حتّى يقصر يقينه فكان اليقين أفضل من العلم، لأنّه أدعى إلى العمل، و ما كان أدعى إلى العمل كان أدعى إلى العبودية، و ما كان أدعى إلى العبودية كان أدعى إلى القيام بحقّ الربوبية و إلى كمال الحظ من اليقين.
أقول: قد تبيّن من كلامه إنّ العلم هو الأوّل و الآخر، و الفاعل و الغاية. و ذلك لأن العمل يترشّح من العلم، و العلم هو ثمرة العمل.
و العلماء الآخريّون أدلّاء الامّة، و أعمدة الدين، و سرج ظلمات الجهالات