تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٨ - فصل في الكشف عن ماهية الصبر محاذيا لما ذكره بعض المحققين
و أمّا الكاتبين فلا ثباتهما الحسنات و السيّئات.
و إنّما يكتبان في صحائف مطويّه في سرّ القلب، و مطويّة أيضا عن سرّ القلب، حتّى لا يطلع عليه في هذا العالم لانغماره في البدن انغمار صحيفة مكتوبة في تراب الأرض و استتارها تحته عن الأبصار ما لم يبرز عنه، و كذلك صحيفة القلب ينشر يوم القيامة من غبار البدن على البصائر يوم كشف السرائر.
فالملكان و كتبهما و خطّهما و صحائفها و جمله ما يتعلّق بها من عالم الغيب و الملكوت- لا من عالم الشهادة- و شيء من الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم، ثمّ تنشر الصحائف عن القلب مرّتين: مرّة في القيامة الصغرى، و مرة في القيامة الكبرى.
و أعني بالقيامة الصغرى حال الموت، إذ
قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: «من مات فقد قامت قيامته».
و في هذه القيامة يكون العبد وحده. و عندها يقال: لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [٦/ ٩٤] و فيها يقال: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [١٧/ ١٤].
أمّا في القيامة الكبرى- الجامعة لكافّة الخلق- لا يكون وحده، بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق و رءوس من الأشهاد. و فيها يساق المتّقون إلى الجنّة، و المجرمون إلى النار زمرا- لا آحادا- و أهوالها أعظم. و سيأتيك بيانها إن شاء اللّه تعالى.
[١] قال العراقي: «أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب الموت ...» (ذيل احياء العلوم:
٤/ ٦٤).