تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩ - فصل في أقوال علماء الإسلام القائلين بأن الملك أفضل من البشر
و لقائل أن يقول على الوجهين: هب أنّ مشقتهم أكثر، فلم قلتم: «فيكون ثوابهم أكثر؟» و ذلك لأنّا نرى بعض المتصوّفة يتحمّلون من المشاقّ و المتاعب في طريق مجاهدتهم ما نقطع بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يتحمّل شطر ذلك، مع أنّا نقطع بأنّ درجتهم لا يبلغ جزءا من ألف جزء من درجة النبي صلّى اللّه عليه و آله. فعلم أنّ كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب، بل مبناها على الدواعي و القصود، فلعلّ الفعل الواحد يأتي به المكلّفان على السواء، و الثواب لأحدهما أعظم بكثير من الآخر، لأنّ إخلاص أحدهما أشدّ.
على أنّا لا نسلّم أن عبادات الملائكة أشقّ، و ما ذكرتم في بيانه «من أن السموات كالبساتين النزهة، و المواضع الطيبّة، و أن أسباب التنعّم إذا كانت كثيرة صعب تركها اشتغالا بالعبادة» معارض بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، و مع ذلك لا يمنعهم ذلك، و يرضون بقضاء اللّه و يواظبون على العبادة، و هذا أدخل في استحقاق الأجر و الثواب.
و أمّا قولهم: «المواظبة على نوع واحد شاقّة» معارض بأنّ الشيء إذا صار عادة صار كالأمر الطبيعي في نهاية السهولة، و كان خلافه صعبا، و لهذا قيل: «العادة كالطبيعة الثانية» و لذلك
نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله [١] عن الوصال في الصوم، و قال أفضل الصوم صوم داود عليه السّلام، و هو أن يصوم يوما و يفطر يوما.
أقول: العبادة و التسبيح منهم كالغذاء و التنفّس منا ليس يعود عليهم الأجل ذلك تعب و مشقّة.
الثالث: قالوا: عبادات الملائكة أدوم، فكانت أفضل: أمّا الأوّل فلقوله:
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [٢١/ ٢٠] و أمّا الثاني: فلأنّ الأدوم أشقّ، و الأشقّ أفضل- كما مرّ تقريره-.
[١] راجع وسائل الشيعة: كتاب الصوم، باب تحريم صوم الوصال: ٧/ ٣٨٧.