تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠ - فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء و ما أجاب به عنها الحنفاء و هي وجوه ص
على أحد الطرفين، محصورا عليه، كان في وصفه مجبورا، و لا شرف في الجبر، و اختيار البشر مردّد بين طرفي الخير و الشر فمن جانب يرى آيات الرحمن، و من طرف يسمع وساوس الشيطان فتميل به تارة دعوة الحقّ إلى امتثال الأمر، و تميل به طورا داعية الشهوة إلى اتّباع الهوى.
فإذا أقرّ طوعا و طبعا بوحدانيّة اللّه تعالى و اختار من غير جبر و إكراه طاعته و صيّر اختياره المتردّد بين الطرفين مجبورا تحت أمر اللّه باختيار من جهته من غير إجبار، صار هذا الاختيار أشرف و أفضل من الاختيار المجبور فطرة، كالمكره فعله كسبا، الممنوع عمّا لا يحبّ جبرا، و من لا شهوة له فلا يميل إلى المشتهى كيف يمدح عليه و إنّما المدح- كلّ المدح- لمن زيّن له المشتهى و نهى النفس عن الهوى.
فتبيّن انّ اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيّات.
و الثاني نيابة عن الأنبياء، و هو انّ اختيار الأنبياء مع ما انّه من جنس اختيار البشر من وجه فهو متوجّه إلى الخير، مقصور على الصلاح الذي به نظام العالم و قوام الكلّ، صادر عن الأمر، صائر إليه لا يتطرّق إلى اختياراتهم ميل إلى الفساد، بل درجتهم ما يبتدر إلى الأوهام، فإنّ العالي لا يريد أمرا لأجل السافل من حيث هو سافل بل إنّما يختار ما يختار لنظام كلّى و أمر أعلى من الجزئي.
ثمّ يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي تبعا- لا مقصودا- و هذا الاختيار و الإرادة على جهة سنّة اللّه تعالى في اختياره و مشيئته للكائنات لأنّ مشيئته كليّة متعلقة بنظام الكلّ، غير معلّلة بعلّة، و اختيار الرسول المبعوث من جهته ينوب عن اختياره، كما انّ أمره ينوب عن أمره فيسلك سبل ربه ذللا، ثمّ يخرج من قبضة اختياره نظام حال و قوام أمر مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس.
و من أين للروحانيّات هذه المنزلة؟ و كيف يصلون إلى هذه الدرجة؟ كيف و كلّ ما يذكرونه و موهوم، و كلّ ما نذكره «١» فمحقّق بمشاهدة و عيان.