تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٥ - هداية لما ذا ينسب الخير إليه تعالى و الشر إلينا؟
خير، أو ما يؤدي إلى الخير، بل يمكن أن يقال: إنّ جميع ما في العالم- ممّا لا حدّ له و لا إحصاء- هي نعمة من اللّه في حقّ الإنسان، إذ ما من شيء إلّا و له الانتفاع بها.
أمّا التي أودعها فينا من المنافع و اللذات و الجوارح و الآلات فظاهر انتفاعنا بها، لأنّا نستعملها في جرّ المنافع و دفع المضارّ الدنيويّة و الاخرويّة.
و أمّا التي خلقها اللّه تعالى خارجة عنا فهي أيضا إمّا نستلذّ بوجودها، او ننتفع لمعرفتها و الاستدلال على وجود الصانع و حكمة وجوده و لطفه، فهي كلّها منافع منتفع بها إمّا حالا أو مآلا، فإنّها وسائل إلى المعرفة و الحكمة، و هي إمّا نفس السعادة و اللذّة الدائمة أو وسيلة إليهما فصحّ انّ جميع مخلوقات اللّه نعم على العبد، و هي غير متناهية لا يمكن عدّها و لذا قال تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [١٤/ ٣٤].
فإن قلت: إذا كانت النعم غير متناهية فكيف يمكن الانتفاع بها؟ و أيضا إذا كانت غير متناهية لم يكن علم العبد بها فكيف أمر اللّه إيّاه بتذكّرها في قوله:
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ؟
و الجواب عن الأوّل إنّ المراد بالنعمة ما يمكن الانتفاع به- سواء انتفع به أحد، أم لا- فكلّ واحد من الأمور المخلوقة ممّا يمكن الانتفاع به للعبد، فيكون نعمة في حقه.
و أمّا عن الثاني انّ الأشخاص غير متناهية، و الطبائع النوعيّة متناهية، و يمكن لنا العلم بالطبائع و العنوانات، و الحكم بها على وجه يسرى في أشخاصها الغير المتناهية مجملة، كما في القضايا الكلّية، مثل قولنا: «كلّ إنسان له قوّة الكتابة» ففي هذا الحكم تصوّرنا طبيعة العنوان- أي ماهيّة الإنسان- بالكنه، و تصوّرنا أفراده كلّها بالوجه و حكمنا عليها بقوّة الكتابة. و هذا ضرب من العلم، و هو يكفي للتذكّر الذي يفيد العلم بوجود الصانع و حكمته عن آثار صنعه و أنوار حكمته.