تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٩ - فصل في أن المأمورين بسجدة آدم عليه السلام هل كانوا جميع الملائكة، أم بعضهم؟
و الحقّ إنّ المأمور بالسجود و الانقياد لآدم جميع الملائكة السماويّة و الأرضيّة كما دلّ عليه قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إلّا انّ الملائكة الأرضيّة ٥ في وقت و مقام، و الملائكة السماويّة في وقت و مقام آخر. فإن للإنسان درجات و مقامات بحسب سيره إلى اللّه.
فما دام كونه في مقام النفسيّة و عدم عروجه إلى عالم القدس العقلي فلا معنى لكون أكابر الملائكة- و هم المحرّكون للأجرام السماويّة- مطيعة له، لأنّهم إنما يطيعون أمر اللّه و عالم الأمر، و يلتمسون الأنوار العقليّة و يتشوّقون إلى الاتّصال بالملإ الأعلى، و هم القاعدون في صوامع الجبروت و مصاقع الربوبيّة و مجامع الإلهيّة.
و أما إذا خرج عن مقام النفسيّة إلى مقام العقليّة الصرفة، و خلص عن التلوّنات و التغيّرات إلى المرجع و المآب، و استقرّ في مقعد من مقاعد الانس و الرحمة، منخرطا في سلك المقرّبين المهيّمين، فحينئذ يطيع له ملائكة السماء طاعتهم للملإ الأعلى لأنّه صار معهم في مقام الوحدة الجمعيّة و السعادة الكبرى و البهجة العظمى التي يكلّ اللسان عن وصفها، و يضيق الأسماع و الأذهان عن سمعها و فهمها.
و أمّا الملائكة المهيّمون- و هم الذين لا تعلّق لهم بعالم الأجسام لاستغراقهم بمشاهدة جمال الأحديّة- فظاهر إنّهم خارجون عن أمر السجدة لغير اللّه و الانقياد لما سواه، و لا يشكل هذا بعموم قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ لأنّ إطلاق الملائكة بناء على أنّه مشتقّ من «الالوكة» بمعنى الرسالة- كما مرّ- إنّما شاع على من له رسالة من اللّه إلى خلقه، و الأرواح المهيّمة مقامهم فوق ذلك. و الدليل على ذلك قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي الملائكة المرتفعين عن الالتفات بهذا العالم مطلقا- و اللّه أعلم بأسرار خلقه و آثار أمره.