تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٣ - فصل الوعاظ الغير المتعظون
و جاهل متنسّك»
و ذلك لأنّ من وعظ و أظهر علمه للخلق ثمّ نسى نفسه و لم يتّعظ و فعل المعصية صار وعظ و إظهاره للعلم سببا لرغبة الناس في المعصية، لأنّهم يقولون: «إنّ هذا رجل عالم، لو أنّه اطّلع على ضرر المعصية لما أقدم عليها، و لولا انّه اطلّع على أنّه لا أصل لهذه التخويفات لما اجترأ على فعل المعصية».
فقد صار وعظه داعيا للناس إلى التعاون بالدين، و الجرأة على المعاصي، سيّما و النفوس مجبولة على الحرص بالمنكرات و الشهوات إذا لم يكن رادع شرعي أو عقلي، فإذا كان غرض الواعظ الردع و الزجر ثمّ أتى بما يوجب الرخصة و الترغيب، فكأنّه فعل شيئا متناقضا، و هو من العاقل موضع العجب.
فصل [الوعّاظ الغير المتّعظون]
أكثر ما تعتري هذه الصفة- أي إصلاح الناس و الأمر لهم بالبرّ مع نسيان النفس و إصلاحها و عدم تفقّد أحوال القلب- للمقتصرين على العلوم الظاهرة من غير تحقيق فيها، و الناقلين للأخبار و الروايات من غير دراية. لما فيها من جلب خواطر الناس و الشهرة و طلب الرياسة و الإمامة.
فالواعظ يجد في وعظه و تأثّر قلوب الناس به حلاوة و لذّة لا يوازيها لذة، فإذا غلب ذلك على نفسه مال طبعه إلى كلّ كلام مزخرف يروّج عند العوام- و إن كان باطلا- و يفرّ عن كلّ كلام يستثقله العوام- و إن كان حقّا- و يصير معروف الهمّة بالكليّة إلى ما يحرّك قلوب العوام، و يعظّم منزلته عندهم، فلا يسمع حديثا و حكمة إلّا و يكون فرحه بها من حيث انّه يناسب أن ينقل في محفل الناس او يذكر على رأس المنبر.