تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٤ - فصل الوعاظ الغير المتعظون
و هذا فتنة عظيمة، فمن لا باعث له في الوعظ و الحسبة إلّا طلب الجاه و المنزلة و التفاخر فهو منافق مطرود عن باب اللّه، لأنّه باع آجل آخرته و اشترى به ثمنا قليلا من عاجل دنياه، و لو كان له حظّ من العلم لعلم إنّ لذّة الدنيا بالقياس إلى لذّة المعرفة باللّه شيء حقير خسيس.
فمن اشتغل بالأمر و النهي يجب عليه أن يكون فرحه بحفظ العلوم من حيث عرف بها طريق النجاة و طلب السعادة و طريق سلوك الدين، ليعمل بها أوّلا، و يهذّب نفسه، و يحصل له اليقين. ثمّ إذا فرغ من أمر نفسه اشتغل بغيره، شكرا للّه بأن يقول: «إذا أنعم اللّه عليّ بهذه النعمة فأقضيها ليشاركني في نفعها إخواني».
فمن لا باعث له إلّا طلب الجاه و الثروة، فينبغي أن يتركه و يخالف الهوى فيه إلى أن يرتاض نفسه و يقوّى دينه و يقينه، و يأمن عن فتنة نفسه، فعند ذلك يشتغل بإصلاح غيره من وعظ أو قضاء أو تدريس.
فالمعلوم من حال من صرف أوقاته لنقل الأقوال و حفظ الروايات- و غرضه عرضها على الناس مع عدم إصلاح نفسه بتهذيب الأخلاق و اقتناء العلوم الحقيقيّة التي ليست فيها شهرة و تفاخر و كسب منزلة عند الناس- إنّه غير معتن بأمر الدين، و لا ذو اهتمام بتحصيل المنزلة عند اللّه بطلب المعرفة و اليقين، و تجريد النفس عن شواغل الهوى و شهوات الدنيا. و لهذا ورد أخبار كثيرة في مذمّة أمثاله:
قال أمير المؤمنين عليه السّلام في كلام له خطب به [١]: «أيّها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون ... و إنّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه، و أغشكم لنفسه أعصاكم لربه».
و
عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و [علي بن ابراهيم عن أبيه،
[١] الكافي: باب استعمال العلم، ١/ ٤٥