تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٩ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٤٩
كانوا يخدمونه، و صنف يحرثون له، و صنف يزرعون له، و من لا يصلح منهم للعمل ضربوا عليهم الجزية. و كانوا مع ذلك يذبحون أبناءهم و يستحيون نساءهم و يدل عليه قوله تعالى في سورة إبراهيم يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [١٤/ ٦] فعطفه على ذلك دلالة على التغاير. و المعنى:
«يقتلون أبناءكم و يستبقون بناتكم» أي يدعونهن أحياء ليستعبدن و ينكحونهن على وجه الاسترقاق- و هذا أشدّ من الذبح.
و إنّما لم يقل: «بناتكم» لأنّه سمّاهن بالاسم الذي يؤول حالهن إليه.
و قيل: إنّما قال نِساؤُكُمْ على التغليب، فإنّهم كانوا يستبقون الصغار و الكبار منهن.
و قرئ يذبحون- بالتخفيف-.
و قيل: أراد بقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ الرجال البالغين دون الأطفال، ليكون في مقابلة النساء لأنّهن البالغات و ذلك لأنّهم الذين يخاف منهم الخروج و التجمع دون الأطفال.
و أكثر المفسرين على أن المراد بالاية الأطفال- دون الرجال- و هو أولى بوجوه من التأييد: لحمل اللفظ على ظاهره. و للشهرة. و لتعذّر قتل جميع الرجال على كثرتهم، و لحاجة فرعون و قومه إليهم في صنائعهم الشاقّة الصعبة- قال السدّي:
كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة، ككنس المبرز، و عمل الطين، و نحت الجبال- و لأنّه لو كان كذلك لم يكن لالقاء موسى عليه السّلام في التابوت حال صغره معنى.
و أمّا وجه مقابلة الأبناء مع النساء فقد مرّت الإشارة إليه، و هي إنّ البنات لمّا لم يقتلن و وصلن إلى حدّ النساء صحّ عليهنّ إطلاق النساء حقيقة و مجازا باعتبار ما يؤلن. و أمّا البنين فلما قتلوا حال الطفولية و لم يبلغوا لم يصح اطلاق الرجال عليهم- لا في الحال و لا بحسب المآل.