تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٧ - فصل قوله تعالى اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
من الغائلة، او ترك الأكل حتّى ضعف عن العبادة و الفكر فقد أخسر الميزان، و من انهمك في الشهوات فقد طغى في الميزان، و إنما العدل أن يخلو الوزن و التقدير عن الطغيان و الخسران، و تتعادل كلتا كفّتي الميزان، و في ذلك تحصل النجاة عن عالم الاضداد و خلاص النفس عن أسر عفاريت الظلمات و أفاعي الشهوات، فإنّ التوسّط بين الأطراف بمنزلة الخلوّ عنها.
فهذه هي الفضائل و الخيرات المحضة، و هي سعادة الآخرة، و يرجع حاصلها إلى أربعة امور: بقاء لا فناء له، و سرور لا غم فيه، و علم لا جهل معه، و غنى لا فقر معه، و هي النعمة الحقيقية. و لذلك
قال صلّى اللّه عليه و آله «لا عيش إلّا في الاخرة»
و صدر هذا القول منه صلّى اللّه عليه و آله مرّتين: مرّة في الشدة تسلية للنفس، و ذلك في وقت حفر الخندق [١] في شدّة الضرّ، و مرّة اخرى في السرور منعا للنفس من الركون إلى سرور الدنيا و ذلك عند إحداق الناس به في حجّة الوداع [٢].
و
قال [رجل]: «إنّي أسئلك تمام النعمة» فقال صلّى اللّه عليه و آله [٣]: «و هل تعلّم ما تمام النعمة؟» قال: «لا». قال: «دخول الجنّة».
و أمّا المنفعة- أعني النعمة التي هي وسيلة إلى ما هو خير حقيقي- فتنقسم إلى الأقرب الأخصّ بالخير، كفضائل النفس، و هي كما مرّ: عفة و شجاعة، و حكمة و عدالة. و إلى ما يليه في القرب، كفضائل البدن، و هو الثاني. و إلى مايلي هذا في القرب، كالأسباب المطيفة بالبدن من المال و الأهل و العشيرة، و إلى ما يجمع بين
[١] البخاري: باب ما جاء في الرقاق، ٨/ ١٠٩.
[٢] راجع المسند: ٣/ ٢١٦ و أيضا ما قاله العراقي في تخريج أحاديث الأحياء (ذيل أحياء العلوم: ١/ ٢٤٩).
[٣] في الترمذي (كتاب الدعوات، باب ٩٤): فإنّ من تمام النعمة دخول الجنة و الفوز من النار.