تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨ - فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء و ما أجاب به عنها الحنفاء و هي وجوه ص
أمّا الأول: فقالوا: علوم الأنبياء [عليهم السلام] كليّة و جزئيّة، و فعليّة و انفعاليّة و فطريّة و كسبيّة. فمن حيث ملاحظة عقولهم عالم الغيب منصرفة عن عالم الشهادة، تحصل لهم العلوم الكليّة فطرة دفعة واحدة، ثمّ إذا لاحظوا عالم الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئيّة اكتسابا بالحواسّ على ترتيب و تدريج.
فكما انّ للإنسان علوما فطريّة- هي المعقولات- و علوما حاصلة بالحواسّ- هي الحسيّات و التجربيّات- فعالم المعقولات بالنسبة إلى الأنبياء كعالم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس، فنظريّاتنا فطريّة لهم، و نظريّاتهم لا نصل إليها قطّ. بل و محسوساتنا، مكتسبة لهم و لنا بكواسب الجوارح.
فأمزجة الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- أمزجة نفسانيّة، [و] نفوسهم نفوس عقليّة، و عقولهم عقول أمريّة فطريّة. و لو وقع حجاب في بعض الأوقات فذاك لموافقتنا و مشاركتنا كي يزكّي هذه العقول، و تصفّى هذه الأذهان و النفوس و إلّا فدرجاتهم وراء ما يقدّر.
و الثاني: إنّهم قالوا: و من العجب انّهم لا يعجبون بهذا العلم بل و يؤثرون التسليم على البصيرة، و العجز على القدرة، و التبرّي من الحول و القوّة على الاستقلال، و الفطرة على الاكتساب. و لا أدري ما يفعل بي و لا بكم على إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [٢٨/ ٧٨].
و يعلمون انّ الملائكة و الروحانيّات بأسرها و إن علت إلى غاية قوّة نظرها و إدراكها [ما أحاطت] [١] بما أحاط به علم الباري جلّ جلاله، بل لكلّ منهم مطرح نظر، و مسرح فكر، و مجال عقل، و منتهى أمل، و مطار وهم و خيال، و إنّهم إلى الحدّ الّذي انتهى نظرهم إليه مستبصرون، و ما وراء ذلك الحدّ إلى ما وراء ما يتناهي مسلمون مصدقون، و إنّما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون، و التصديق لما يجهلون
[١] الاضافة من الملل و النحل.