تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٠ - قوله تعالى سورة البقرة(٢) آية ٥٢
قوله تعالى: [سورة البقرة (٢): آية ٥٢]
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)
العفو، و الصفح، و المغفرة، و التجاوز نظائر. قال [ابن] الأنباري: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [٩/ ١٣] معناه: محى اللَّه عنك. مأخوذ من قولهم: «عفت الريح الأثر» إذا درسته و محته. فعفو اللَّه محوه الذنوب عن العبد.
و الظاهر إنّ المراد من قوله: عَفَوْنا عَنْكُمْ تركنا معاجلتكم بالعقاب في الدنيا مِنْ بَعْدِ اتّخاذكم العجل إلها لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تعرفون اللَّه و رسوله. فإنّ تمام الشكر بأفضل أجزائه، و هو المعرفة.
لمّا وقعت إليه الإشارة سابقا من أنّ كلّ مقام من مقامات الدين ينتظم بأمور ثلاثة-: العلم، و هو أعلاها، و الحال، و هو أوسطها. و العمل، و هو أدناها- فالشكر للَّه عبارة عن اعتقاد كونه خالقا و رازقا للعباد و منعما عليهم في الدنيا و الآخرة بواسطة الملائكة و الأنبياء ١٣٣ ١٣٤. و يلزم ذلك الاعتقاد الفرح بذكر اللَّه و معرفته و حبّ لقائه و خلوص القلب عن الالتفات بغير اللَّه و تصفيته عن كلّ خاطر ردي، و يلزمه أيضا العمل بالأركان و الجوارح بقدر ما يتيسّر و يطاق.
و اسم «الشكر» تارة يقع على الثلاثة، و تارة يخصّ بالأول- نظرا إلى سرّه و روحه و باطنه- و تارة يخصّ بالآخر- نظرا إلى ظاهره المكشوف للحسّ.
كما انّ اسم الايمان تارة يقع على الاعتقاد باللَّه و اليوم الآخر و الملائكة و الكتب