تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨١ - تنبيه آخر
و الرسل و الأئمة عليهم السّلام، مع الإقرار باللسان، و العمل بالأركان. و تارة يقع على نفس الاعتقاد الصحيح، و هو النور الباقي للمؤمن إلى يوم القيامة، يسعى بين يديه و عن يمينه.
و قالت المعتزلة- و منهم صاحب الكشاف-: «معنى قوله: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي: غفرنا لكم بسبب إتيانكم بالتوبة التي هي قتلكم أنفسكم». و فيه بحث من وجهين:
الأوّل: إنّ قبول التوبة واجب عقلا. و أداء الواجب لا يكون إنعاما. فلو كان المراد ذلك فلا يحسن عدّه في معرض الإنعام و الامتنان. و الآية مسوقة في تعديد نعم اللَّه على بني إسرائيل.
و الثاني: إنّ العفو اسم لإسقاط العقاب عن المستحق، فأمّا إسقاط ما يجب إسقاطه فلا يسمّى عفوا. فعلم إنّ ذلك المعنى الذي حملوا الآية عليه ضعيف عقلا و لغة.
تنبيه
اعلم إنّ هذه الآية دالّة على بطلان قول المعتزلة أن «لا عفو عن الكبائر» إذ لا كبيرة أكبر من اتّخاذ العجل إلها، و إذا ثبت انّه سبحانه عفى عن كفر قوم موسى عليه السّلام و لم يؤاخذهم على شركهم، فبأن يعفو عن فسق امّة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله كان أحقّ و أحرى.
تنبيه آخر
قد دلّت الآية أيضا على أن اللَّه تعالى لم يرد من العباد إلّا الخير و الطاعة، و لا يريد منهم الشرّ و العصيان. فإنّه تعالى لما بيّن إنّه إنّما عفى عنهم و لم يؤاخذهم لكي يشكروا، فلم يرد منهم في هذا العفو إلّا الشكر، و هو أعظم الطاعات.