تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٣ - فصل قوله تعالى و أوفوا بعهدي
و تلك الحجب كانت كلّها موجودة في الأمم السابقة غير مرفوعة عنهم، و هي موجودة في هذه الامّة متفرّقة، و بها افترقت إلى ثلاث و سبعين، كما
أخبر عنه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقوله [١]: «ستفترق امّتي- الحديث»،
و لم يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب، إلّا و ظنّ إنّه قد وصل.
و إليها الإشارة بقول إبراهيم الخليل، و هو فاتح باب التوحيد و شيخ الموحّدين و أبو العارفين- على نبيّنا و عليه الصلوة و السلام- فعبّر عن نور الحسّ بالكوكب، و عن نور الخيال بالقمر، و عن نور العقل [بالشمس]، ثمّ عبر عنها و جاوزها جميعا قائلا: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٦/ ٧٩] و أشار إلى خواصّ هذه الامّة في دعائه بقوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [٢/ ١٢٨].
و بالجملة- كان هذا النور الأحمدي في أصلاب عقائد العقول المتقدّمة و أرحام استعدادات النفوس الماضية منتقلا من طور إلى طور، و من حالة إلى حالة مبشّرين و منذرين به، حتى استقرّ إلى غايته و بلغ نهايته، و وصل إلى المبدإ الذي فارقه و اتّصل به آخر القوس الصعودية من دائرة الوجود إلى مبدأ القوس النزوليّة منها، فكان قاب قوسين أو أدنى [٢].
فهذا هو معنى العهد الذي أخذ اللّه الميثاق به على الأنبياء عليهم السلام، و قد أثبت على
[١] راجع بحار الأنوار: كتاب الفتن و المحن، الباب الاول: ٢٨/ ٤.
[٢] يعنى أن الوجود كله بواسطة سريان هذا النور من أعلى المراتب إلى أدناها، و من أدناها إلى أعلاها صار كمقدار قوسين، و هما نصفا دائرة، فكان الوجود كدائرة، بل كنقطة دائرة. لأن النقطة الراسمة لها هي كل الدائرة، فما من نقطة من نقاطها المعقولة، أو الموهومة، أو المحسوسة، إلّا و هو عين تلك الفاعلة- فافهم و اغتنم- منه عفى عنه (من حاشية نسخة الأصل).