تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٥ - فصل
و إذا فهم هذا فهم إنّ غلبة الخوف على الشهوة في بعض الذنوب ممكن وجوده، و الخوف إن كان من فعل ماض أورث الندم، و الندم يورث العزم. و
قد قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: «الندم توبة»
و لم يشترط الندم عن كل ذنب. و
قال صلّى اللّه عليه و آله [٢]: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»
و لم يقل: التائب من الذنوب كلّها.
و بهذه المعاني تبيّن [إنّ التوبة عن] أفراد الذنوب إذا كانت متماثلة في حق الشهوة و في حقّ التعرض لسخط اللّه غير ممكن. نعم، يجوز أن يتوب على الكثير دون القليل، لأن لكثرة المعصية تأثيرا في كثرة العقوبة.
فصل
إنّ في هذه الآية حثّا على التوبة، و تنبيها على أنّ العبد لا بدّ و أن يكون دائم الرجوع و الإنابة إلى اللّه تعالى، كما إنّه دائم المغفرة و الرحمة، و إنّه ما من درجة في الخير و السعادة تحصل للعبد إلّا و ينبغي له أن يتوب عنها بتحصيل درجة فوقها لذاته، فإنّ الإنسان جوهر متجدد الذات، له في كل وقت حجاب من هويّته. و قد قيل: «وجودك ذنب لا يقاس به ذنب» فيجب له في كل وقت توبة عن ذنب وجوده، و استغفار عن غشاوة هويّته.
قال بعض الحكماء: «إنّ لك منه غطاء ٥٠ فضلا عن لباسك من البدن فاجهد أن ترفع الحجاب و تتجرّد، فحينئذ تلحق فلا تسئل عما تباشره».
و قال أيضا: «انفذ إلى الأحديّة تدهش إلى الأبد. و إذا سئلت عن فهي قريب، و ذلك لأنّ مراتب القرب إلى اللّه غير متناهية، لعدم تناهي التجليّات الأسمائيّة الصفاتيّة، و الشئونات الإلهيّة، و لكونه تعالى وراء ما لا يتناهي بما لا يتناهي شدّة و قوّة
[١] الجامع الصغير: ٢/ ١٨٩.
[٢] الجامع الصغير: ١/ ١٣٤.