تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٧ - تبصرة بماذا نعرف الرسول؟
و أكثر الناس اعتمادهم على ما يدركه الحواسّ، و عكوفهم على ما ينتمي إلى الأوضاع الحسيّة، و لهذا يغلطون كثيرا، و لو لم يكن لهم قائد يقتدون به يسلك بهم كمن يقود الأعمى في الليل المظلم، و إلّا يقعون في الحميم، و يسلكون طريق الجحيم، و هؤلاء طائفة لا يعرفون الحق إلّا بالرّجال.
و أمّا العرفاء الإلهيون فهم يعرفون أهل الحقّ بالحقّ، كما
قاله أمير المؤمنين و إمام العارفين عليه السّلام: «لا تعرف الحق بالرّجال، اعرف الحقّ تعرف أهله»
فكانت معرفة العارفين المحقّقين بصدق النبي صلّى اللَّه عليه و آله ضروريّة، كمعرفتك إذا رأيت رجلا عربيّا يدّعى الفقه و يناظر في مسألة من مسائل الفقه، و يحسن في البحث عنه، و يأتي بالفقه الصحيح الصريح، فإنّك لا تتمارى في أنّه فقيه، و يقينك الحاصل بفقهه من مناظرته أوضح من اليقين الحاصل به لو قلّب ألف عصا ثعبانا، لأنّ ذلك يتطرّق فيه احتمال السحر و الطلسم و التلبيس بغيره، و يحصل به ايمان ضعيف هو ايمان العوام و المتكلّمين، فأمّا ايمان الناظرين من مشكوة الملكوت، فلا يتطرّق إليه تلك الاحتمالات، و هذا النحو من العلم و الايمان إنّما يحصل بتعليم من اللَّه و من جبرئيل بواسطة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله.
و هذا أوضح من الاعتقاد الذي يحصل من النصّ أو بالمعجزة، فإنّ ثلاثة أنفس لو ادّعوا عندك انّهم يحفظون القرآن، فقلت: «ما برهانكم»؟ فقال أحدهم:
انّه نصّ علىّ الكسائي أستاذ المقرءين. او نصّ علىّ استاذي فلان و استاذي نصّ علىّ، فكأنّ الكسائي نصّ علىّ. و قال الثاني: برهاني أنّي أقلّب العصاحيّة- و قد قلّب العصاحيّة- و قال الثالث: برهاني أن أقرأ القرآن بين يديك من غير مصحف- و قرء- فليت شعري أيّ هذه البراهين أوضح؟ و قلبك بأيّها أشدّ تصديقا؟
لا شكّ انّك بالذي قرء القرآن، فهو غاية البرهان، و به يحصل غاية الايمان إذ لا يخالج فيه ريب.