تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢١ - فصل مشرقي
الوجود نزل إلى جوهر مادّي ينفعل عن كلّ مؤثّر يصادفه لكونه محض القوّة و الاستعداد، و منه تنشأ الحركات و الاستحالات، و هي حالة بين صرافة القوّة و محوضة [الفعل].
فمبدأ الحوادث في هذا العالم هي الهيولى و الحركة، فإنّ الهيولى بأوضاعها المستفادة من الحركة تحدث فيها من المبدإ الجواد و الوسائط الوجوديّة موجودات حادثة في أزمنة معيّنة، و تحصل منها سلسلة عرضيّة من المتجدّدات الزمانيّة و المكانيّة و أمّا الدار الآخرة فهي أقرب إلى اللّه من هذه الدار، و ما فيها من الموجودات- و إن كان جسمانيّة الحقيقة- لكنّها أشبه بالصورة بحسب وجودها منها بالمادّة، و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [١٩/ ٩٥] و قوله:
وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً [١٩/ ٨٠] لأنّ ملائكة الموت قد توفّتها و نزعت أرواحها و صورها عن هذه القوالب الماديّة.
و لهذه الأرواح في النشأة [الثانية] قوالب مناسبة لأرواحها في الدوام و التجدّد و لا يؤثّر فيها تأثير غريب. بل أرواح ذلك العالم يؤثّر في أشباحها بالايلام و التنعيم بحسب ما كسبت و حصلت في الدنيا لنفوسها من صور الأخلاق و هيئات الملكات الحسنة النور [ا] نيّة، أو القبيحة الظلمانيّة.
فكل ما يصل من اللذّات و الآلام إلى كلّ أحد، فهو إنّما يصل إليه من نفسه بوسيلة ذاته من جهة العلل الذاتيّة، لا من جهة الأسباب العرضيّة و العلل الاتّفاقيّة الكونيّة، لكونها منقطعة مسلوبة يوم القيامة. قال تعالى: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ]* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ [٢/ ١٦٥- ١٦٦] و قوله: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ [٢٣/ ١٠١].
و قد تكرّر و تكثّر في القرآن ذكر هذا المعنى و التنبيه عليه، كقوله تعالى: