تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦ - فصل إبليس من الملائكة أم لا؟
من صحبتهم، و كانوا أهل جدّ و اجتهاد- و لكن لم يكن عندهم من جهتهم شمّة من العلم باللّه و رأينا فيهم اغترارا و تكبّرا، فما زلنا بهم حتّى حلنا بينهم و بين صحبتهم لإنصافهم و طلبهم الانس [١]. كما رأينا أيضا ضدّ ذلك منهم، فما أفلح و لا يفلح من كان هذه صفته إذا كان صادقا، و أمّا الكاذب فلا نشتغل به.
و قال في موضع آخر من هذا الباب [٢]: «و منهم من يجالسه الروحانيون من الجانّ، و لكن دون الجماعة في الرتبة إذا لم يكن له حال سوى هذا، لأنّهم قريب من الانس في الفضول.
و الكيّس من الناس من يهرب منهم كما يهرب من الناس، فإنّ مجالستهم رديّة جدّا قليل أن تنتج خيرا، لأنّ أصلهم نار و النار كثيرة الحركة، و من كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كلّ شرّ [٣]، فهم أشدّ فتنة علي جليسهم من الناس، فإنّهم قد اجتمعوا في كشف عورات التي ينبغي للعاقل أن يطلع عليه [٤]، غير إن الإنس لا تورث مجالسة الإنسان إيّاهم تكبّرا و مجالسة الجنّ ليس كذلك، فإنّهم بالطبع يورثون في جليسهم التكبّر على الناس و على كلّ عبد للّه، و من تكبّر على غيره فإنّه يمقته اللّه في نفسه من حيث لا يشعر- هذا هو المكر الخفي.
و قال أيضا فيه: «و منهم من نفس الرحمن عنه بمجالسة الملائكة، و نعم الجلساء هم، [هم] أنوار خالصة لا فضول عندهم، و عندهم العلم الأعلى الذي لا مرية فيه، فيرى جليسهم في مزيد علم باللّه دائما مع الأنفاس.
[١] المصدر: الأنفس.
[٢] الفتوحات المكية: ١/ ٢٧٣.
[٣] المصدر: في كل شيء.
[٤] المصدر: فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها.