تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥ - فصل إبليس من الملائكة أم لا؟
كانت تقاتل الجنّ، فسبي إبليس، فلذلك قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ.
و روى مجاهد و طاوس عنه أيضا إنه قال [١] «كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية ملكا من الملائكة اسمه «عزازيل» و كان من سكّان الأرض. و كان سكّان الأرض من الملائكة يسمّون «الجنّ» و لم يكن من الملائكة أشدّ اجتهادا و لا أكثر علما منه، فلمّا تكبّر على اللّه و أبي السجود لآدم و عصاه لعنه و جعله شيطانا مريدا و سمّاه إبليس.
قال الشيخ محي الدين الأعرابي في الباب الحادي و الخمسين من الفتوحات المكيّة [٢]: «اعلم إن الجانّ هم أصل العالم الطبيعي [٣]، و يتخيّل جليسهم بما يخبرونه من حوادث الأكوان و ما يجري في هذا العالم بما يحصل لهم من استراق السمع من الملأ الأعلى، فيظنّ جليسهم إن ذلك من كرامة اللّه به- هيهات لما ظنّوا.
و لهذا ما ترى أحدا قط جالسهم فحصل عنده منهم علم باللّه جملة واحدة، و غاية الرجل الذي تعتني به أرواح الجنّ أن يمنحوه من علم خواصّ النبات و الأحجار و الأسماء و الحروف، فهو علم السيمياء، فكم يكتسب منه [٤] إلا العلم الذي ذمّته ألسنة الشرايع الإلهيّة.
و من ادّعى صحبتهم و هو صادق في دعواه فاسأله عن مسألة في العلم الإلهي ما تجد عنده من ذلك ذوقا أصلا، فرجال اللّه يفروّن من صحبتهم أشدّ فرارا منهم من الناس، فإنّه لا بدّ أن تحصّل صحبتهم في نفس من يصحبهم كبّرا على الغير و ازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدمّ.
و قد رأينا جماعة ممن صحبوهم حقيقة و ظهرت لهم براهين على صحّة ما ادّعوه
[١] الدر المنثور: ١/ ٥٠.
[٢] الفتوحات المكية: ١/ ٢٧٣.
[٣] المصدر: إن الجانّ هم أجهل العالم الطبيعي باللّه.
[٤] المصدر: منهم.