تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٣ - فصل في تحقيق الحق في كيفية المفاضلة بين الملك و البشر
و إنّ أجرام العناصر لقصور صورتها الطبيعيّة تصير مادّة لصور هي أكمل من صورتها و موضوعة لأعراض قارّة و كيفيات تشتدّ و تضعف فيحصل من موادّها صور معدنيّة و نباتيّة و حيوانيّة.
و نوع الإنسان من جملة أنواع الحيوانات و إن كان متميّزا عن الكائنات بصورة حيوانيّة شريفة. إلّا إنّها أضعف الصور الحيوانيّة، و أفراد البشر تكون ضعيفة الحيوانيّة في باب الحسّ و الحركة، لا يمكنها الاكتفاء في الملابس بإهاب طبيعيّ يحفظه عن الحرّ و البرد، و لا في باب إصلاح المطاعم و إنضاجها بمطبخ طبيعيّ كالمعدة و الكبد بل يحتاج في كلّ ذلك إلى معاون خارجيّ، و هذا لضعف قواه الحيوانيّة، كما قال تعالى: وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [٤/ ٢٨].
و هذا الضعيف هو منشأ الانتقال و الارتحال من حاله الأدنى إلى حال أعلى، و بهذا يستعدّ لأن ينتقل من مقام الحيوانية الحسيّة إلى مقام الملكيّة العقليّة و أنت لو تأمّلت في أحوال الموجودات لوجدت الجميع إمّا واقفة في مقاماتها التي لها، أو بطيئة في توجّهها إلى نحو الغاية المطلوبة، و السالك السريع الحركة نحوها منحصر في بعض أفراد الناس.
أمّا الملائكة المقرّبون، فلا حاجة لها إلى الاستكمال و الحركة نحو الكمال، لأنّهم دائمة القرب و الوصول إلى معبودهم الأعلى- جلّ ذكره-.
و أمّا الملائكة السماويّة فلكلّ منهم مقام في العبوديّة الدائمة، لا باعث لهم في الخروج عمّا هم عليه، لدوام إشراقاتهم المتوالية، و قوّة حالاتهم و وفور ابتهاجاتهم و لذّاتهم، كأحوال أهل الجنة في طبقاتهم و منازلهم و مقاماتهم.
و أمّا الشياطين فلقوّة ناريّتهم و رسوخ أنانيّتهم و حبّ رياستهم لم ينقادوا للعبوديّة و الانكسار، و لم يتغيّروا عما فطروا عليه من الاستكبار و الافتخار.
و يقرب من حالهم أحوال الجنّ، و إن كان بعض منهم أخيارا مسلمين، إلّا