تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦١ - فصل في تحقيق الحق في كيفية المفاضلة بين الملك و البشر
ففي سلسلة الإبداع و الإفاضة كلّ ما كان أقدم في الوجود فهو أشرف و أفضل و في سلسلة التكوين و الإعداد للغايات كلّ ما هو آخر فهو أشرف، لأنّ الأكوان الإبداعيّة لكمال وجودها متفضّلة راشحة بالخير الدائم على ما دونها، و الأكوان الحادثة متوجّهة في الاستفاضة للخير عمّا فوقها، سالكة في طلب التمام و الكمال إلى غاياتها.
و قد ثبت أنّ للأشياء الطبيعيّة غايات، و لا يخلو موجود ناقص إلّا و قد أودع اللّه فيه قوّة طبيعيّة محرّكة، أو شوقا جبليا يسلك به إلى طلب الكمال، و توصله إلى الغاية و التمام. و لهذا جزم الحكماء الإلهيّون بسريان نور العشق و الشوق إليه تعالى في جميع الموجودات، ما من موجود إلّا و هو عاشق له، أو مشتاق ساكن إليه أو سالك، و اللّه الباقي و كل شيء هالك.
و اعلم إنّ هذه القشور الكثيفة و إن كانت خسيسة في الغاية شبيهة بالعدم لكن إعادة ترتيب الحدوث من هذه الحسيّات الزائلة إلى العقليّات الدائمة ليس بأصعب على من له الخلق و الأمر من ابتدائه بالسياق عن العقليّات الدائمة إلى الحسيّات الداثرة، و ليس القشر المتكاثف- و إن تناهي في الإظلام و البرد- و الكثافة بممتنع عن قبول الأثر عن الجوهر اللطيف.
بل الأرض- و إن تمكّنت بالاستفالة و الاستقلال، و اشتدّت قوّتها بمبالغ الإنزال، فإنّها بتأثير قوّة الشمس فيها و إشراقها عليها تستجلب اللطافة، و تصير مادّة للغذاءات و الأقوات، منشأ لتوليد النبات.
و لو كان القشر المتكاثف ممتنعا عوده إلى اللطافة، أو مصيّرة مادّة لتوليد اللباب فيه أو منه، لما كان في جوهره و طبيعته قوّة قابلة منفعلة، بل لم يكن القشور من الحبوب المزروعة ليصير قوتا للحيوانات، و لم يكن الثفل الكدر من الأشياء المأكولة ليصير مادة النبات.