تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٨ - الأول
و قال بعضهم [١]: ما ذكر اللّه سؤال الرؤية في كتابه إلّا و قد استعظمه منها هذه الآية. و منها قوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً- الآية- [٤/ ١٥٣] و منها قوله:
وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [٢٥/ ٢١] فالرؤية لو كانت جائزة لما كان سائله مستحقّا للصاعقة، ظالما و مستكبرا في نفسه و عاتيا عتّوا كبيرا. فدلّت الآيات على أنّ رؤية اللّه ممتنعة على عباده.
و لقائل أن يقول: لا نسلّم دلالتها على امتناع الرؤية، و ليس كلّ عقوبة وجب أن يكون واردة على طلب أمر محال في ذاته، فربما كان سبب العقوبة كونهم ادّعوا لنفسهم منصبا عاليا يستحيل حصوله لهم لانحطاط درجتهم عن استحقاق لذلك غاية الانحطاط، و إن كان الأمر في نفسه ممكنا.
و لأنّه لمّا تمّت الدلائل الباهرة، و المعجزات الجليّة على صدق المدعى كان طلب دليل آخر زائد تعنّتا و لجاجا، و المتعنّت اللجوج يستوجب المقت و العذاب.
و لأنّه يجوز أن يعلم اللّه في زجر الخلق عن طلب الرؤية مصلحة مهمّه، كما علم انّ في إنزال الكتاب من السماء و إنزال الملائكة منها عليهم مفسدة عظيمة، لا جرم زجرهم عن ذلك و استنكره، و لغير ذلك من الوجوه.
و استدلّ بعض المجوّزين للرؤية بأنّ اللّه قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كلّ منهما عتّوا، فكما انّ إنزال الكتاب أمر ممكن في نفسه فكذا الرؤية. و من هذا القبيل استدلال بعضهم على إمكانها بأنّ اللّه علّق رؤيته على استقرار الجبل في قوله: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [٧/ ١٤٣] من أنّ استقرار الجبل أمر ممكن في نفسه، و المتعلّق على الممكن ممكن، فإنّ المحال لا علاقة له
[١] هو أبو الحسين البصري كما في تفسير الفخر الرازي: ١/ ٥٣١.