تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٠ - فصل عرشي
فهذه ثلاث درجات: فالأوّل لا يدخل فيه معنى الشكر أصلا، لأنّ نظر صاحبه مقصور على الفرس لا بمعطى الفرس- فهذا حال كلّ من فرح بنعمة من حيث أنّها لذيذة و موافقة لغرضه، فهو بعيد من معنى الشكر.
و الداخل [١] في معنى الشكر من حيث أنّه فرح بالمنعم، و لكن لا من حيث ذاته، بل من حيث معرفة عنايته التي يستحثّه على الإنعام في المستقبل، و هذا حال الصالحين، الذين يعبدون اللّه و يشكرونه خوفا من عقابه و رجاء لثوابه.
و إنّما الشكر التامّ في الفرح الثالث، و هو أن يكون فرح العبد بنعم اللّه من حيث أنّه يقتدر بها على التوسّل إلى القرب منه، و النزول في جواره و النظر إلى وجهه على الدوام فهذا هو الرتبة العلياء و أمارته أن لا يفرح من الدنيا إلّا بما هو مزرعة الآخرة و معينة عليها. و يحزن بكلّ نعمة تلهيه عن ذكر اللّه تعالي و تصدّه عن سبيله لأنّه ليس يريد النعمة لأنّها لذيذة.
و لذلك قال الشبلي: «الشكر رؤية المنعم- لا رؤية النعمة» و قال الخوّاص «شكر العامّة على المطعم و الملبس، و شكر الخاصّة على واردات القلوب».
و هذه رتبة لا يدركها كلّ من انحصرت عنده اللذّات في البطن و الفرج و مدركات الحواسّ، و خلا عن لذّة القلب، فإنّ القلب- أعني الروح- لا يلتذّ في حال الصحّة و السلامة ١٣٩ إلّا بذكر اللّه تعالى و معرفته و لقائه، و إنّما يلتذّ من غيره إذا مرض بسوء العادات كما يستلذّ بعض الناس بأكل الطين، و كما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة، و يستحلي الأشياء المرّة، فإذن هذه شرائط الفرح بنعمة اللّه.
[١] إحياء العلوم (٤/ ٨٣): و الثانية داخلة.