تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٨ - فصل عرشي
الواصلة إليه بتوقيعه الذي كتبه بقلمه، و بالكاغذ الذي كتب عليه، فإنّه لا يفرح بالقلم و الكاغذ و لا يشكرهما، لأنّه لا يثبت لهما دخلا من حيث هما موجودان بأنفسهما- بل من حيث هما مسخّران تحت قدرة الملك. و قد يعلم انّ الوكيل الموصل و الخازن أيضا مضطرّان من جهة الملك في الإيصال، و انّه لوردّ الأمر إليهما و لم يكن من جهه الملك أمر حتم و قضاء جزم لما سلمّا.
فإذا عرف ذلك كان نظره [إلى] الخازن و الوكيل كنظره إلى القلم و الكاغذ، فلا يورث شركا في توحيده من إضافة النعمة إلى الملك.
فكذلك من عرف اللَّه و عرف أفعاله علم انّ الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره- كالقلم مثلا في يد الكاتب- و انّ الحيوانات التي لها اختيار مسخّرات في نفس اختيارها، فإنّ اللَّه تعالى هو المسلّط للدواعي عليه، شاء [ت] أو أبت اي في حصول الداعي- كالخازن المضطر الذي لا يجد سبيلا إلى مخالفة الملك، لو خلّي و نفسه لما أعطاك ذرّة ممّا في يده.
فكلّ من وصل إليك نعمة اللَّه [تعالى] على يده فهو مضطرّ، إذ سلّط اللَّه عليه الإرادة، و هيّج عليه الدواعي، و ألقى في قلبه انّ خيره في الدنيا و الآخرة هو أن يعطيك ما أعطاك. و بعد خلق اللَّه له هذا الاعتقاد فلا يجد سبيلا إلى تركه، فهو إذن إنّما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك- و لو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك.
فالمنعم عليك بالحقيقة هو الذي سخّره لك ١٣٨ و ألقى في قلبه من الاعتقادات و الإرادات ما صار به مضطرّا إلى الإيصال إليك.
فإن عرفت الأمور كذلك فقد عرفت اللَّه، و عرفت فعله، و كنت موحّدا، و قدرت على شكره، بل كنت بهذه المعرفة بمجرّدها شاكرا، و لذلك
قال موسى عليه السّلام في مناجاته: «الهي خلقت آدم بيدك، و إذا سوّيته فنفخت فيه من روحك و فعلت، و فعلت، فكيف شكرك؟» فقال: «علم انّ ذلك منّي، فكانت معرفته شكرا