تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٥ - تنبيه
ألا ترى إنّهم مع ذلك لم يقنعوا بهذه الدلائل الباهرة، فتارة قالوا: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [٧/ ١٣٨] و تارة قالوا: يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [٢/ ٥٥] و اخرى اتَّخَذُوا الْعِجْلَ [٤/ ١٥٣] إلها لهم. و اخرى كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ [٢/ ٦١] كلّ ذلك لغلبة الكثافة على طبائعهم، و الغشاوة على بصائرهم، و الطبع و الرين على قلوبهم.
و أمّا هذه الأمّة فلذكاء عقولهم و صفاء قلوبهم كانوا على خلاف ذلك، فلا جرم وقع الاقتصار معهم على الآيات الدقيقة و المعجزات العقليّة.
و أمّا على طريقتنا فنقول: ليس في فلق البحر و قلب العصاء حيّة و ما يجري مجراهما زيادة على الدلالة على صدق موسى عليه السّلام في جميع ما يدّعيه من إثبات الإله الحقّ و ادّعاء النبوة و غير ذلك بالدليل العقلي، و أمّا كون ذلك من الضروريّات التي لا حاجة معها إلى البرهان النيّر العقلي فغير مسلّم، كيف و قد ثبت في علم الميزان «إنّ المحسوس- بما هو محسوس- لا يكون كاسبا لشيء و لا مؤدّيا إلى مطلوب» فليس في المحسوس- حدّ لشيء، و لا برهان على شيء، كما ليس له حدّ و لا عليه برهان و هذا أمر محقّق عند أئمّة الحكمة و التحقيق، و لذا قال بعض: «الدين الحاصل بالمعجزة دين اللئام» و حاشا المؤمن المتيقّن أن يكون بناء إيمانه و يقينه على رؤية المعجزة الفعليّة من الرسول. بل بناء ذلك على البرهان العقلي، أو الشهود الباطني الذي لا يعتريه و صمة شكّ و شوب ريب. و أمّا انفلاق البحر و غيره فممّا للشبهة فيه مجال- كما لا يخفي على أهل البحث-.
ثمّ إنّ العلم الضروري و الكشف الحاصل للإنسان يوم القيامة نحو آخر من العلم لم يحصل مثله من انفاق البحر و غيره، لأنّ ذلك مما يحصل ١٢٦ برؤية الأسباب و العلل. و مشاهدتها و ظهور الأسباب بأعيانها ليس مثل العلم بها من جهة آثارها.