تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٣ - ايمان فرعون مقبول، أم لا؟
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ فبشّره قبل قبض روحه لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يعني: لتكون النجاة لمن يأتي بعدك انّه علامة.
و ليس في الآية إنّ بأس الآخرة لا يرتفع، و لا انّ إيمانه لم يقبل و إنّما في الآية انّ بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذ آمن في حال رؤيته إلّا قوم يونس. فقوله:
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ إذ العذاب لا يتعلّق بظاهرك [١]، و قد أريت الخلق نجاته من العذاب، فكان ابتداء الغرق عذابا، فصار الموت فيه شهادة خالصة بربّه [٢]، لم تتخلّلها معصية، فقبضت على أفضل عمل، و هو التلّفظ بالايمان- كلّ ذلك- حتّى لا يقنط أحد من رحمة اللّه. و الأعمال بالخواتيم. فلم يزل الايمان باللّه يجول في باطنه، و قد حال الطابع الإلهي الذاتيّ في الخلق بين الكبرياء و اللطائف الإنسانيّة، فلم يدخلها قطّ كبرياء.
و أمّا قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [٤٠/ ٨٩] فكلام محقّق في غاية الوضوح، فإنّ النافع هو اللّه، فما نفعهم إلا اللّه.
و قوله: سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ [٤٠/ ٨٥] يعني الايمان عند رؤية البأس الغير المعتاد. و قد قال تعالى: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً [١٣/ ١٥] فغاية هذا ايمان أن يكون كرها، و قد أضافه الحقّ إليه.
و الكراهة محلّها القلب، و الايمان محلّه القلب. و اللّه لا يأخذ العباد بالأعمال الشاقّة عليه من حيث ما يجده من المشقّة فيها، بل يضاعف له فيها الأجر. و أمّا في هذا الموطن، فالمشقّة فيه بعيدة، بل جاء طوعا في إيمانه، و ما عاش بعد ذلك كما قال في راكب البحر عند ارتجاجه ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [١٧/ ٦٧] فنجّاهم، فلو قبضهم عند نجاتهم لماتوا موحّدين و قد حصلت لهم النجاة، فقبض فرعون
[١] المصدر: لا يتعلّق الا بظاهرك.
[٢] المصدر: بريئة.