تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٣ - فصل قوله تعالى و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين
فقال الرجل: الصبر عن اللّه. فصرخ الشبلي صرخة كاد أن يتلف روحه.
قال صاحب العوارف [١]: «و عندي في معنى الصبر عن اللّه وجه، و لكونه من أشدّ الصبر على الصابرين وجه. و ذلك إنّ الصبر عن اللّه يكون في أخصّ مقامات القرب و المشاهدة، يرجع العبد عن مولاه استحياء و إجلالا، و ينطبق بصيرته خجلا و ذوبانا، و يتغيّب في مفاوز استكانته و تخفّيه لاحساسه بعظيم أمر التجلي.
و هذا من أشدّ الصبر، لأنّه يودّ استدامة هذا الحال تأدية لحقّ الجلال، و الروح يودّ استدامة هذا الحال باستلماع نور الجمال [٢]، و كما إنّ النفس منازعة في عموم حال الصبر، فالروح في هذا الصبر منازعة، فاشتدّ الصبر عن اللّه [تعالى] لذلك.
و قال أبو الحسن بن سالم: «هم ثلاثة: متصبّر، و صابر، و صبّار. فالمتصبّر من صبر في اللّه. فمرّة يصبر، و مرّة يجزع. و الصابر من صبر في اللّه للّه و لا يجزع، و لكن يتوقّع منه الشكوى و قد يمكن منه الجزع. و أمّا الصبّار فذلك الذي صبره في اللّه، و للّه، و باللّه. فهذا (لو وقع جميع البلايا لا يعجز و لا يتغيّر من جهة الوجوب و الحقيقة) [٣]- لا من جهة الرسم و الخلقة» و إشارته في هذا إلى ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة.
فصل قوله [تعالى]: وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
الفناء في اللّه بالصبر عن النفس و هواها و جاهها و مآلها. و البقاء باللّه بالصلاة و المناجاة معه صعب شديد إلّا مع خشوع القلب و انكساره و افتقاره و عبوديته
[١] عوارف المعارف: الباب الستون، قولهم في الصبر: ٢٣٤.
[٢] المصدر: و الروح تود أن تكتحل بصيرتها باستلماع نور الجمال.
[٣] المصدر: فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع و لا يتغيّر من جهة الوجود و الحقيقة.