تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٢ - فصل في تتمة القول في الصبر و أقسامه
لا فناء فيه، و عزّا لا ذلّ فيه، و أمنا لا خوف [فيه]، و غناء لا فقر فيه، و كمالا لا نقصان فيه. و هذه كلّها من أوصاف الربوبيّة.
و ليس العبد مذموما على طلب ذلك ... و لكنّه آجل، و قد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة. فجاء الشيطان و توسّل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه، فاستغواه بالعاجلة، و زيّن له الحاضرة، و توسّل إليه بواسطة الحمق، فوعده بالغرور في الآخرة، و مناه مع ملك الدنيا ملك الآخرة، كما
قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: «و الأحمق من اتّبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه»
فانخدع المخذول بهذا الغرور، و اشتغل بطلب عزّ الدنيا، كما قال تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ [٧٥/ ٢٠] فالمؤمن باليوم الآخر يصبر عن اللذّة العاجلة.
قال الجنيد: «المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن، و هجران الخلق في جنب [٢] الحقّ شديد، و المسير من النفس إلى اللّه صعب شديد. و الصبر مع اللّه أشدّ».
فذكر شدّة الصبر عن شواغل القلب، ثمّ شدّة هجران الخلق، لأنّ المراد به ترك خاطر الجاه و الرياسة على الخلق. فأشار إلى أنّ الصبر عنه أشدّ من الصبر من شواغل الدنيا، ثمّ شدّة الصبر مع اللّه، لأنّ غلبة نوره يدهش الروح، و يذهب القلب، كما تفعل نور الشمس بالأبصار الضعيفة و حرارتها بالجمد.
قيل: وقف رجل على الشبلي، فقال: أي الصبر أشدّ على الصابرين؟
فقال: الصبر في اللّه تعالى. فقال: لا. فقال: الصبر للّه. فقال: لا.
فقال: الصبر مع اللّه. فقال: لا. فغضب الشبلي، فقال: ويحك أيش هو؟
[١]
في الجامع الصغير: «الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها تمنى على اللّه الأماني»: ٢/ ٩٨.
[٢] الأحياء: في حب الخلق.