تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٧ - فصل في الكشف عن ماهية الصبر محاذيا لما ذكره بعض المحققين
الأصل في الصبر و الصلوة خشوع القلب و يقينه بالآخرة، و بالخشوع للّه، و الرغبة إليه و إلى دار كرامته و جنّته و الخوف منه و من عذابه في دار نقمته و سجنه يصبر الإنسان عن الشهوات، و يقهر عليها، و بنور معرفته و علمه بلقاء ربّه و رجوع الكلّ إليه يهتدي إلى محاربة الأعداء و قهر الشياطين لينخرط في سلك المقرّبين.
و إذا عرفت انّ رتبة الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوّي، و انّ الصلوة أشرف من الصوم- و لهذا
ورد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في الصلوة [١]: «إنّها معراج المؤمن» و في الصوم [٢]: «إنّه جنّة من النار».
و
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله [٣]: «قرّة عيني في الصلوة».
و
قال [٤]: «الصوم و جاء»
- لم يخف عليك إنّ جانب اليمين الذي هو أشرف الجانبين من جنبتي الربوبيّة ينبغي أن يكون مسلما له، فهو إذن صاحب اليمين، و الآخر صاحب الشمال. و عند القيامة يتلاقيان كما في قوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [٥٠/ ١٧].
ثمّ للعبد طوران في الغفلة و الفكر و في الاسترسال و المجاهدة. فهو بالغفلة معرض عن صاحب اليمين و مسيء إليه، فيكتب عليه إعراضه سيّئة، و بالفكر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية، فهو به محسن، فيكتب له حسنة. و كذا بالاسترسال معرض عن صاحب اليسار، تارك للاستمداد منه، فهو به مسيء إليه، فيكتب له سيّئة، و بالمجاهدة مستمدّ من جنوده فيكتب له به حسنة.
و إنّما تثبت هذه الحسنات و السيّئات بإثباتهما، و لهذا سيّما «كرام الكاتبين».
أمّا الكرام فلكرامتهما و انتفاع العبد بكرمهما و برّهما- و الملائكة كلّهم كرام بررة-
[١] هذا الحديث على شهرته غير موجود في الجوامع التي بأيدينا.
[٢] الكافي: باب ما جاء في فضل الصيام: ٤/ ٦٢.
[٣] الخصال: باب الثلاثة: ١/ ١٦٥.
[٤] مضى في: ص ٢٧٩.