تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٥ - فصل في الكشف عن ماهية الصبر محاذيا لما ذكره بعض المحققين
و التكاثر. قال تعالى: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ [٥٧/ ٢٠].
و ليس له في الابتداء قوّة الصبر البتّة، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتصادم مقتضياتهما و مطالبهما، و ليس في الصبيّ إلّا جند الهوى كما في البهائم، و لكن اللّه بفضله وسعة جوده كرّم ابن آدم و فضّله على كثير ممّن خلقّه، و رفع درجته عن درجة البهائم.
فوكّل عند تمام شخصه لمقارنة البلوغ ملكين: أحدهما يهديه، و الآخر يقوّيه فتميّز بمعونة الملكين عن البهائم. و اختصّ بصفتين: إحداهما معرفة اللّه [و معرفة رسوله] و معرفة اليوم الآخر و معرفة المصالح المتعلّقة بالعواقب و النجاة عن العذاب في الدار الآخرة- و كلّ ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية و التعريف- و البهيمة لا معرفة لها و لا هداية لها إلى معرفة العواقب، بل إلى مقتضى شهوتها في الحال فقط، فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ، و أمّا الدواء النافع مع كونه كريها مضرّا في الحال، فلا تعرفه و لا تطلبه، فصار الإنسان يعرف بنور الهداية إنّ اتّباع الشهوات لها معقّبات مكروهة في العاقبة.
و لكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضرّ، و حبس الشهوة عنها. فكم من مضرّ يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلا و لكن لا قدرة له على دفعه، فافتقر إلى قدرة و قوّة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوّة حتى يقطع عداوتها عن نفسه، فوكّل اللّه به ملكا آخر ٩٦ يسدّده و يقوّيه بجنود لم تروها، و أمر هذا الجند بقتال جنود الشهوة، فتارة يضعف هذا الجند، و تارة يقوى ذلك بحسب إمداد اللّه عبده. كما إنّ نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا يحصر.
فلنسمّ هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم باعثا دينيا. و لنسمّ مطالبة