تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٠ - فصل أسباب الخوف و الرجاء
و كان يؤتى بالقدح- ثلثاه ماء- فإذا تناول أبصر خطيئته، فما يضعه على شفتيه حتّى يفيض القدح من دموعه.
و
روي إنّه ما رفع رأسه إلى السماء حتّى مات- حياء من اللّه- و كان يقول: «يا الهي- إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها، و إذا ذكرت رحمتك ارتدّت إليّ روحي».
ثمّ يونس غضب غضبة واحدة في غير موضعها فسجنه في بطن الحوت تحت قعر البحر أربعين يوما، و هو ينادي لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ و سمعت الملائكة صوته، فقالوا: «إلهنا و سيّدنا- صوت معروف في مكان مجهول» فقال اللّه تعالى: «ذلك عبدي يونس» فشفّعت الملائكة. ثمّ مع ذلك كلّه غيّر اسمه فقال: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً [٢١/ ٨٧] فنسبه إلى سجنه، ثمّ قال: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [٣٧/ ١٤٤] ثم ذكر منّته و نعمته فقال: لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ [٦٨/ ٤٩] فانظر إلى هذه السياسة أيّها المسكين-.
و كذلك هلّم جرّا إلى سيّد المرسلين- أكرم خلقه صلّى اللّه عليه و آله فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [١١/ ١١٢] حتّى
كان يقول: «شيّبتني سورة هود و أخواتها»
قيل: عنى هذه الآية و أشكالها في القرآن، قال اللّه تعالى:
وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [٤٧/ ١٩] إلى أن منّ اللّه تعالى عليه بالغفران، فقال: وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [٩٤/ ٢- ٣] و قال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ [٤٨/ ٢].
فكان بعد ذلك يصلّي الليل حتّى تورّمت قدماه، فيقولون: أ تفعل هذا يا رسول اللّه و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخّر؟ فيقول [١]: «أفلا أكون عبدا
[١] البخاري: ٢/ ٦٣. و راجع المعجم المفهرس: «شكورا».