تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨ - الفصل الأول ذكر أقوال الأوائل
و الصابئون هم الذين قالوا بنبوّة اغاثاذيمون و هرمس- و هما شيث و إدريس عليهما السلام [١]- و لم يقولوا بغيرهما من الأنبياء- صلوات اللّه عليهم أجمعين- و نسبتهم إلى الحنفاء كنسبة فلاسفة الإسلام إلى الصوفيّة بوجه، إلّا أنهم زادوا على التفضيل للملك على أهل النبوّة عليهم السلام الى حيث تركوا طاعتهم و انقيادهم و جعلوا الملائكة قبلة طاعتهم و منشأ نجاتهم و هدايتهم، و ربما يسمّون بأصحاب الروحانيّات.
و مذهبهم إن للعالم صانعا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان، و الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، و إنّما يتقرّب إليه بالمتوسّطين المقرّبين لديه و هم الروحانيّون المطهّرون، المقدّسون جوهرا و فعلا و حالة.
أمّا الجوهر: فهم المطهّرون عن الموادّ الجسمانيّة، المبرّءون عن القوى الجسدانيّة، المنزّهون عن الحركات و التغيّرات الزمانيّة، قد جبلّوا على الطهارة و فطروا على التقديس و التسبيح فنحن نتقرّب إليهم و نتوكّل عليهم، و هم أربابنا و شفعاونا عند ربّ الأرباب.
فالواجب علينا أن نطهّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعيّة، و نهذّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهويّة و الغضبيّة، حتّى تحصل بيننا و بينهم مناسبة، فيفيض علينا بعض أنوارهم و فضائلهم و علومهم.
قالوا: و الأنبياء أمثالنا في النوع، و أشكالنا في الصورة، يشاركوننا في الحاجة إلى المادّة، يأكلون مما نأكل، و يشربون مما نشرب، و يساهموننا في الصورة، أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم، و بأيّة مزيّة لهم لزم متابعتهم؟
و أمّا الفعل: فهم الأسباب المتوسّطون في الاختراع و الإيجاد و تصريف الأمور من حال إلى حال، و توجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال، يستمدوّن القوّة
[١] راجع أخبار الحكماء للقفطى (ص ٢) و دانشنامه ايران و اسلام (آ: ١٠٤).