تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٥ - فصل سر الإتيان هنا بحرف الشك
المقتضية لأصل ذاتها و وجودها، و إلّا لما انفكّ منها واحد من أفراد الناس. نعم هي تفضّلات و إحسانات من قبل اللّه إلينا، بعد وجود المبادي و الأسباب ٥٥ الذاتيّة، و إن كان الكلّ من فضله وجوده، و هي نافلة لوجوده، لكنّ الكلام ٥٦ بعد تحقّق العلل الضروريّة و إن كانت الاتفاقيّات أيضا منجرّة إلى امور ضروريّة، لكونها مستندة إلى ما في علم اللّه و عالم قضائه الحتمي.
و لكن السبب الذاتي لشيء قد يكون غريبا لشيء آخر، و كذا الشيء قد يكون بالنسبة [إلى] أسبابه القريبة اتّفاقيا، و بالقياس إلى البعيدة لزوميّا- كما مرّ في مسألة اختيار العبد- و إذا كان الأمر غير ضروريّ حسن الإتيان به بلفظ دالّ على الإمكان و الشكّ، فإنّ الشكّ في التصور بإزاء الإمكان في الوجود.
و من هذا يعلم أن لا يقين في الحوادث و المتغيّرات إلّا من جهة العلم بأسبابها الذاتيّة الضروريّة، و لهذا قالت الحكماء: «العلم بذي السبب لا يحصل [إلّا] من جهة العلم بسببه».
و قال صاحب الكشّاف في وجه المجيء بكلمة الشكّ [١]: «إنّه للإيذان بأنّ الايمان باللّه و التوحيد لا يشترط فيه بعثه الرسل و إنزال الكتب، و إنّه إن لم يبعث رسولا و لم ينزل كتابا كان الايمان به و توحيده واجبا بما ركّب فيهم من العقول، و نصب لهم من الأدلّة، و مكّنهم من النظر و الاستدلال».
أقول: ما ذكره يوجب تخصيص الهدى و الإرسال و الإنزال، و هو تخصيص بغير دليل، لأنّ المراد منه كما ذكره بعضهم كلّ دلالة و بيان، فيدخل فيه غرائز العقول و قيام الأدلّة، و القدرة على النظر و الاستدلال، و كلّ كلام نزل على كلّ نبي.
[١] الكشاف: في تفسير الآية: ١/ ٢١٢.