تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٤ - تمثيل
العقل بالإشخاص للقدرة، و الإلزام لها في الفعل، فإنّي مسكين مسخّر تحت قهر العلم و العقل، فلا أدري بأيّ جرم سخّرت لهما و ألزمت لهما الطاعة، لكنّي أدري إنّ تسخيري ايّاها بأمر هذا الحاكم العادل أو الظالم.
فأقبل على العلم و العقل و القلب مطالبا لهم و معاتبا إيّاهم على سبب استنهاض الإرادة و إنهاضها للقدرة.
فقال العقل: أمّا أنا فسراج ما اشتعلت بنفسي، و لكنّي اشعلت.
و قال القلب: أمّا أنا فلوح ما انبسطت، و لكنّي بسطت، و ما انتشرت و لكنّي نشرني من بيده نشر الصحائف.
و أمّا العلم فقال: إنّما أنا نقش في منقوش، و صورة صوّرت في بياض لوح القلب لما أشرق العقل و ما انخططت بنفسي، فكم كان هذا اللوح قبلي خاليا فسلم [١] القلم عني، و اسئله عن هذا.
فرجع إلى القلم تارة اخرى بعد قطع هذه المنازل و البوادي، و سير هذه المراحل و المقامات، فوقع في الحيرة حيث لم يعلم قلما إلّا من القصب، و لا لوحا إلّا من العظم و الخشب، و لا خطا إلّا بالحبر، و لا سراجا إلّا من النار، و كان يسمع في هذا المنزل هذه الأسامي و لا يشاهد شيئا من مسمّاها.
فقال له العلم: زادك قليل و بضاعتك مزجاة و مركبك ضعيف، فالصواب لك أن تؤمن بهذه المسمّيات ايمانا بالغيب و تنصرف و تدع ما أنت فيه.
فلمّا سمع السالك ذلك استشعر قصور نفسه فاشتعل قلبه نارا من حدّة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص، و لقد كان زيته في مشكاة قلبه يكاد يضيء، و لو لم تمسسه نار لقوّة استعداده و كبريتيّة في مادته، فلمّا نفخ فيه العلم بحدّته اشتعل زيته، فأصبح نورا على نور فقال له العلم، اغتنم الفرصة و افتح بصرك، فلعلّك تجد على هذه النار هدى.
[١] في الأحياء: فسل القلم عنّي.