تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩ - المقدمة الثالثة
المقدّمة الثالثة:
إنّ هذه القوى من الإنسان من فروعات جوهره العقلي بمنزلة أشعّة و أنوار لازمة لجوهر نورانيّ متعلق بالبدن كمصباح في بيت يقع منه أنوار و أشعّة على جدرانه و سقوفه و زواياه و أكنافه، و كلّ من هذا القوى ينفعل و يستنير و يخرج من القوّة إلى الفعل بواسطة صور محسوسة يخصّها، فالبصر بالمبصرات كالألوان، و السمع بالمسموعات كالأصوات.
و بالجملة الحسّ بالمحسوس يستنير و يخرج وجوده من القوّة إلى الفعل، و الخيال بالصور المتخيّلة يستنير و يقوى و يصير من حد النقص إلى حدّ الكمال و قد علمت انّ كل كمال و نور إنّما يحصل بضرب من التجرّد و البعد عن المادّة، و كلّ نقص و ظلمة إنّما يحصل بواسطة لصوق بالمادّة و قرب منها.
و علمت إنّ مراتب الكمالات حسب مراتب التجريدات، و وجود هذه القوى متقدّم بحسب الحدوث على وجود القوّة العقليّة تقدّما زمانيّا و بالطبع، و وجود القوّة العقليّة متقدّم بقاء على وجودها تقدّما ذاتيّا و بالعليّة و الشرف، لأنّها من فروعها و معاليلها عند تجوهر العقل و حصوله بالفعل، فالعاقلة مفتقرة إليها في أول النشأة، و عند أو ان الاستكمال و الحركة إلى المبدإ الفعّال، و هي مفتقرة إليها في النشأة الثانية و بقاء الآخرة.
فمن استكمل ذاته ما دام الكون الدنياوي بنور الايمان و اليقين، قامت مع روحه جميع قواه و تنوّرت بنوره يوم الدين و حشرت معه يوم حشر الخلائق أجمعين.
و من لم يستكمل ذاته هاهنا بنور الايمان و لم ينفتح بصيرة باطنه إلى عالم الروح و الريحان لفرط جهالته و تراكم غشاوته و كثرة حجابه و كثافة نقابه، سلبت في الآخرة عنه قواه و حواسّه، و بقيت نفسه في ظلمات الهاوية و أدخنة السعير أصمّ و أبكم و أعمى قائلا بلسان الحال لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [٢٠/ ١٢٥].