تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٨ - فصل
و سبب هذا الترتيب إما لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثمّ ما منه منشأه ثمّ الأرض التي هي مكانه و مستقرّه يقعدون عليها و ينامون و ينقلبون كما ينقلب أحدكم على فراشه، ثمّ السماء التي كالقبّة المضروبة و الخيمة المبنيّة على هذه القرار.
ثمّ ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلّة و المظلّة- من إنزاله الماء عليها و الإخراج به من بطنها- أشباه النسل من الحيوان- ألوان الغذاء و أنواع الثمار رزقا لبني آدم.
و إمّا لأنّ كلّ ما في السماء و الأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الشهوة و الغضب و الدواعي النفسانية و الأطوار الباطنيّة، و لمّا كانت الدلالة فيه أتمّ كان تقديمه في الذكر أهمّ.
و أيضا خلق المكلّفين أحياء قادرين أصل جميع النعم، و أمّا الانتفاع بوجود الأرض و السماء و الماء فذلك إنّما يكون بشرط حصول الخلق و الحيوة و القدرة و الشهوة، فلا جرم قدّم ذكر الأصول على الفروع بالنسبة إليه.
و أقول: و لك أن تحمل قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ على سبب وجوب العبادة و علّتها و قوله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ- إلى آخره- على دلائل المعرفة، لتوقّف العبادة عليها، و توقّفها على الدلائل، لأنّ اللّه لمّا أنعم علينا بإعطاء الوجود و إعطاء ما يتوقّف عليه الوجود استحقّ العبادة، و هي متوقّفة على المعرفة، فذكر من الدلائل خمسة هي مجامع سائر الدلائل و جملها؛ و إلّا فما من ذرّة في الأرض و لا في السماء و لا فيما بينهما إلّا و فيها من عجائب القدرة و بدائع الفطرة ما يظهر به الدلالة على وجود الصانع و علمه و حكمته.
اثنان من تلك الخمسة هما الأرض و السماء- اللتان بمنزلة الآباء و الامّهات و ثلاثة منها هي المواليد.
أولها الجماد و منه الماء النازل من السماء، و اختصاصه بالذكر لكونه سبب حدوث غيره.