تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٥ - المقام الثاني إن تحصيل العلم غير مقدور لنا بوجوه
و يلزم جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي او الإثبات، او لا يلزم؛ فإن لم يلزم لم تكن القضيّة بديهيّة، و إن لزم كان التصديق واجب الحصول عندهما و ممتنع الحصول عند عدمهما، و ما يكون واجب الدوران نفيا و اثباتا مع أمر غير مقدور نفيا و اثباتا وجب أن لا يكون مقدورا؛ فثبت أن التصديقات البديهية غير مقدورة.
و أمّا الثّالث فالبيان جار فيه بمثل ما مرّ فوجب أن لا يكون شيء من العلوم مكسوبا للعبد؛ فهذه شبهة ذكرها العلامة الرازي [١] في هذا المقام في أكثر كتبه.
و الجواب: أما عمّا ذكره في باب التصور فالتحقيق في باب كون الشيء معلوما من وجه هو إن وجه الشيء قد يؤخذ و يعتبر على وجه يصير عنوانا لموضوع القضيّة المتعارفة، و قد يؤخذ و يعتبر الأعلى ذلك المنوال بل على أن يصير عنوانا للقضيّة الطبيعيّة، ففي الأول يصير عنوان للأفراد و مرآة لملاحظة الجميع او البعض و لهذا يسري الحكم إليها كما في قولك: «كلّ كاتب متحرّك الأصابع» «و بعض الكاتب كذا» و في الثاني يصير الوجه متصوّرا و مرئيّا فقط و لا يصير مرآة لها:
فقد تحقّق الفرق بين تصوّر الشيء بوجهه، و بين تصوّر وجهه، و في كلا الاعتبارين و إن كان المتصوّر بالذات و بالحقيقة هو الوجه دون ذي الوجه، إلّا إن في الأول يكون ذو الوجه متّحدا معه، متصوّرا بتصوّره بالعرّض و على سبيل التبعيّة، و ذلك القدر يكفي لا توجّه النفس إلى تحصيله من غير لزوم أحد المحالين- لا تحصيل الحاصل و لا توجّه النفس نحو المجهول المطلق- فافهم إنشاء اللّه.
و عمّا ذكره ثانيا: إن الإدراك التصديقي نحو (نوع- ن) آخر من الإدراك مبائن بالنوع المتصوّر- كما هو التحقيق- فلا يلزم من مجرّد حضور الطرفين في الذهن الإذعان بثبوت أحدهما للآخر و نفيه عنه، و إن كان التصديق بديهيا، و البداهة في التصديق لا تنافي التأخّر عن حضور الطرفين، فربما احتاج إلى قصد من النفس او التفات إلى إخطاره بالبال، ثمّ لا يخفي على أحد إن الجمع بين التصوّرين و ضمّ
[١] هو أبو جعفر محمد بن محمد المعروف بقطب الدين الرازي صاحب شرح الشمسية و شرح المطالع.