تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - الاشراق الأول في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم و هو من وجوه
الْحَمِيدِ [٣٤/ ٦] تنبيها على أن غير الذي اوتي العلم و الحكمة من عند اللّه ليس ممن يرى حقيّة الرسالة و طريقة الهداية.
و حكي أيضا عن خيار رسله و أمناء وحيه إلى خلقه استعمالهم النظر و البحث و المجادلة مع من ضلّ و ترك الطريق الأمثل.
فقد حكى في قصّة نوح عليه السّلام عن الكفار قولهم: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [١١/ ٣٢] و معلوم إن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعيّة، بل كانت في التوحيد و النبوّة، فالمجادلة في نصرة الحقّ في هذا العلم هي حرفة الأنبياء عليهم السلام.
و قال في قصّة ابراهيم أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [٢/ ٢٥٨] قال تعالى في اخباره عن نظره و اعتباره: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [٦/ ٧٦] الآيات- فردّ المثل إلى المثل و النظير إلى النظير، فأخرج هذه الأجرام عن الربوبيّة بعلّة اشتراكها في الأفول و الإمكان و الزوال و الانتقال في الأحوال، و سمّى استدلاله حجّة و أضافه إلى نفسه فقال عزّ و جل: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [٦/ ٨٣] انه تعالى بهذا العلم رفع درجة ابراهيم عليه السّلام فقد ظهر من القرآن انّ له عليه السّلام مقامات:
أحدها مع نفسه و هو قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً [٦/ ٧٦] الآيات و هذا طريقة استدلال الحكماء و المتكلّمين بإمكانها او بتغيّرها و حدوثها على حاجتها إلى من فطرها و أقام وجودها، فمدح اللّه عليه بقوله: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا- الآية.
و ثانيها حاله مع أبيه و هو قوله: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [١٩/ ٤٢].