تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٨ - الاشراق الأول في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم و هو من وجوه
و حقيّة (حقيقة- ن) الملائكة و الكتب و الرسول و الأولياء للّه بخلاف سائر العلوم فوجب أن يكون أشرف العلوم.
الوجه السادس: إن الآيات المشتملة على هذا العلم و براهينها أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهيّة و العلوم السياسيّة، و هذا ممّا لا يخفى على من له اطّلاع على علم القرآن، و يدلّ عليه أنه جاء في فضائل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و آمَنَ الرَّسُولُ و آية الكرسي و آية السخرة و سورة الحديد و يس و ما يشابهها ما لم يجيء مثله في آية الحيض و آية المداينات و آيات القتال، و ذلك يدلّ على فضيلة العلم الإلهي.
الوجه السابع: إن عدد الآيات الواردة في الأحكام قليل لا يبلغ إلى ستمائة آية و أمّا البواقي ففي بيان التوحيد، و النبوّة، و إثبات المعاد، و الرّد على عبدة الأوثان و أصناف المشركين؛ و أمّا الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة اللّه و قدرته كما قال: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [١٢/ ١١١] فدلّ على أنّ هذا العلم أشرف و أفضل.
الوجه الثامن: إنّ اللّه أول ما دعى المكلفين من خلقه إنّما دعاهم إلي النظر و الاعتبار الموصل إلى توحيد ذاته و معرفة صفاته بالدلالات الواصلة و العلامات الباهرة الزاهرة الدالّة على وحدانيّته و تنزيه ذاته و صفاته عن مشابهة خلقه، و قطع عذرهم و أزاح علتهم و أمر بالنظر و الإعتبار في كتابه المنزل من السماء بأكثر من أربعمائة آية تصريحا و تلويحا و مدح الناظرين و المباحثين و المجادلين الذين عرفوه و بيّنوه للخلق و قمعوا شبه المعاندين و دعوا الناس إلى معرفته بآياته فقال عزّ و جل وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [٣/ ٧]- على قراءة العطف- إخبارا عن رفع مراتبهم، و قال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ [٣/ ١٨] و قال: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [٢٩/ ٤٣] و قال: وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَ يَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ