تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٦ - الاشراق الأول في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم و هو من وجوه
الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و كل ذلك فرع على العلم بوجود الرسول، و العلم بكيفيّة نبوّته و رسالته و صدقه؛ و الفقيه إنّما يبحث عن أحكام اللّه تعالى، و ذلك فرع على التوحيد و النبوّة؛ فثبت إن هذه العلوم كلّها مفتقرة إلى العلم بالأصول، و ظاهر إن علم الأصول غنيّ عنها.
و إن سألت الحقّ فجميع العلوم مفتقرة إلى العلم الكلّي الإلهي، و هو غير مفتقر إليها، فهو علم حرّ مخدوم الكلّ، و سائر العلوم عبيده و خدمه، لأن موضوعات العلوم تكون مسلّمة فيها على سبيل الوضع و إنّما يقام البرهان على وجودها و وجود مباديها في العلم الأعلى.
قال المحقّقون: مسائل كلّ علم بمنزلة قياسات استثنائيّة تثبت مقدّماتها الاستثنائيّة في العلم الأعلى- فهو أشرف العلوم.
الوجه الثالث: إن شرف كلّ علم و عمل و جلالة كل درك و فعل إمّا بشرف موضوعه، و إمّا بحسن صورته، و إما بفضيلة فاعله، و إما بكمال غايته و نباهة الثمرة الحاصلة له؛ و هذا العلم مشتمل على الكلّ.
و ذلك لأن علم الهيئة- مثلا- أشرف من الطبّ نظرا إلى الموضوع، لأنّ موضوع الهيئة هي الأجرام الكريمة البسيطة الرفيعة عن أرجاس العنصريّات، و موضوع الطبّ هو بدن الإنسان المركّب من الأخلاط العفنة و الأضداد المستحيلة، القابل للأمراض و الأوجاع، المتسارع إلى الموت و الفساد، فيكون موضوع الهيئة أشرف من موضوع الطبّ.
و الفقه أشرف منهما باعتبار الغاية- و إن كان أدون منهما بحسب الموضوع لأن موضوعه فعل المكلّف- و من الهيئة بحسب الأدلّة و المبادي لان أدلّتها مقدّمات يقينيّة و أدلّة الفقه ظنيّة.
ثمّ لا شكّ ان الأسباب الأربعة في المعارف الربوبيّة: ففاعلها القوّة النظريّة و البصيرة العقليّة المنوّرة بنور اللّه، المؤيّدة من عنده، و هي أشرف أجزاء الجوهر