تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٥ - الاشراق الأول في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم و هو من وجوه
فصل
و أما العلوم الشريفة فبيان استدعاء الآية لها و اشتمالها عليها إن اللّه لمّا أمرنا بعبادة الربّ أردفه بما يدلّ على وجود الصانع، و هو خلق نفوسنا و خلق من سبق وجوده على وجودنا، و هذا مما يدل على أنه لا طريق إلى معرفة اللّه إلّا بالنظر و الاستدلال و التدبّر في مبادئ المطالب و أوائل البراهين و العلم بكيفيّة وجود الخلائق و الاطلاع على حقائق الآفاق و الأنفس.
و طعن قوم من المعطّلة و الحشويّة في هذه الطريقة و قالوا: «الاشتغال بنمط البراهين لتحقيق اليقين بدعة» و قوم منهم أنكروا هذا العلم و زعموا أن الإنسان مكلّف بالعمل لا بالمعرفة، و لا ينكرون سائر العلوم بل جعلوا بعضها واجبة و بعضها مستحسنة.
و نحن بحمد اللّه تعالى خالفنا سيرتهم و هدمنا بنيانهم و كسرنا أصنامهم الجاهليّة في رسالة سمّيناها كسر أصنام الجاهليّة، فلنذكر في بيان صحّة طريقنا وجوها نقليّة و عقليّة في عدّة إشراقات.
الاشراق الأول: في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم و هو من وجوه:
الأول: إن أجلّ العلوم رتبة و أعلاها منزلة و أرفعها درجة و أعظمها ثمرة العلم بذات اللّه الجليلة و صفاته العالية و أسمائه الحسنى لان العلم تابع للمعلوم، و المعلوم إذا كان أشرف الموجودات فالعلم بذلك أشرف العلوم، و ليس في المعلومات- موجودا كان أو معدوما- أشرف و أعلى من ذات اللّه القديمة و صفاته و أسمائه فيجب أن يكون العلم بها أشرف العلوم- و هذا مما لا شبهة فيه.
الثاني: إن العلم إمّا دينيّ أو غير دينيّ و لا شكّ إن الدينيّ أشرف؛ و العلم الدينيّ إما علم بالأصول او بالفروع؛ و الأول أشرف إذ ما عداه يخدمه و يتوقّف صحّته على علم الأصول؛ لأن المفسّر يبحث عن معاني كلام اللّه المجيد، و ذلك فرع على وجود الصانع و اختياره و علمه و قدرته و كلامه، و أما المحدّث فإنّه إنّما يبحث عن كلام