تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥١ - فصل في ألفاظ دالة على العلوم الحقيقية و اشتبهت على الناس بغيرها
و
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: [١] «لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات اللّه و حتّى يرى للقرآن وجوها كثيرة».
و سئل [٢] الحسن البصري عن مسألة فأجاب فقال له السائل: «إنّ الفقهاء يخالفونك» فقال الحسن: «ثكلتك امّك- و هل رأيت فقيها بعينك؟! إنّما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بذنبه، المداوم [على] عبادة ربّه، الورع الكافّ عن أعراض الناس، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم» و لم يقل في جميع ذلك «الحافظ لفروع الفتاوى».
اللفظ الثاني العلم: و قد كان مطلقا على العلم بالله و بآياته و أفعاله في عباده و خلقه، و قد تصرّفوا فيه بالتخصيص حتى حوّلوه و شهروه في الأكثر لمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الخلافيّة و غيرها، فيعدّ من فحول العلماء، فيقال «هو العالم بالحقيقة و هو الفحل فيه» مع عريه عن العلوم الحقيقيّة كلّها و جهله بحقائق علم القرآن و أسرار الآيات و تأويل الأحاديث، و صار ذلك شيئا مهلكا لخلق كثير من الطلبة.
اللفظ الثالث التوحيد: و قد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام و معرفة طرق المجادلة و فنون البحث، و كيفيّة مناقضات الخصوم، و القدرة على تكثير الأسئلة و إثارة الشبهات و الإلزامات، حتّى لقّبت طوائف منهم بأهل العدل و التوحيد و علماء ذلك، مع انّ جميع ما هو خاصّية هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول بل كان يشتدّ النكير منهم على من يفتح أبواب الجدل و المماراة و كان التوحيد عندهم عبارة عن معنى آخر لا يفهمه أكثر المتكلّمين، و هو أن يرى الأمور كلّها من اللّه رؤية يقطع التفاته عن الوسائط و الأسباب.
[١]
كذا في الأحياء (١/ ٣٢) و في كنز العمال (١٠/ ١٨٢): «لا يفقه العبد كلّ الفقه حتى يمقت الناس في ذات اللّه، و حتى لا يكون احد أمقت من نفسه».
[٢] المصدر: سئل الفرقد السبخي الحسن ...