تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٠ - فصل في ألفاظ دالة على العلوم الحقيقية و اشتبهت على الناس بغيرها
فصل في ألفاظ دالّة على العلوم الحقيقية و اشتبهت على الناس بغيرها
اعلم إنّه قد التبست العلوم الحقيقيّة المحمودة الشرعيّة بغيرها من جهة تحريف الأسامي المحمودة عن وضعها الأول و تبديلها و نقلها بسبب الأغراض الفاسدة إلى معاني غير ما أراد بها الصدر الأول و السلف الصالح، و هي خمسة ألفاظ- كما ذكره صاحب احياء العلوم و فصّل القول في كيفيّة تحريفاتها- الفقه و العلم، و التوحيد و التذكر، و الحكمة- و نحن أيضا نقتفي كلامه [١] في هذا الفصل مع اختصار و تلخيص:
فاللفظ الأول الفقه: فقد تصرّفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل و التحويل، إذ قد خصّصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوي، و الوقوف على دقائق عللها و استكثار الكلام فيها و حفظ المقالات المتعلّقة بها؛ فمن كان أشدّ تعمّقا فيها و أكثر اشتغالا بها فهو الأفقه.
و هذا ضرب من التحريف. فلقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة و معرفة دقائق آفات النفس و مفسدات الأعمال و قوّة الإحاطة بحقارة الدنيا و شدّة التطلّع إلى نعيم الأبرار و استيلاء الخوف على القلب، كما يدلّك عليه:
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا [٩/ ١٢٢].
و ما به الإنذار و التخويف هو هذا العلم، دون تفريعات الطلاق و اللعان و العتاق و السلم و الإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار و تخويف، بل التجرّد له على الدوام يقسي القلب و ينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجرّدين له. و قال تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [٧/ ١٧٩] و أراد به معاني الآيات- دون الفتاوى-.
[١] احياء علوم الدين: كتاب العلم، ١/ ٣٢.