تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٨ - توضيح برهاني شرف العلم و تأثر النفوس من العقل الفعال
توضيح برهاني [١] [شرف العلم و تأثّر النفوس من العقل الفعّال]
لو أردت أن تسمع كلاما في بيان إن نسبة الجوهر العاقل من الإنسان إذا خرج من القوّة إلى الفعل كانت نسبته إلى المعاني العقليّة و المفهومات الكليّة في عالم الأرواح كنسبة هذه الشمس المحسوسة إلى الأنوار العرضيّة و الأضواء الشمسيّة في عالم الأجسام- فاسمع:
إنّ الإنسان في أول نشأته يكون عقلا بالقوّة، و معقولا بالقوة، و إن كان حيوانا محسوسا بالفعل، لكونه آخر المعاني الجسمانيّة و أول المعاني الروحانيّة، كبرزخ متوسّط بين العالمين و سور واقع بين الدارين لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [٥٧/ ١٣]. ١٣٢ فأول ما يحدث في قوّة نفسه الحسّاسة رسوم المحسوسات من القوى الحاسّة التي هي روازن، ثمّ يجتمع المحسوسات المختلفة الأجناس، المدركة بأنواع الحواسّ الخمسة، و يحدث عن المحسوسات الحاصلة في القوّة الحاسّة الرئيسية رسوم المتخيّلات في قوّة نفسه المتخيّلة.
فيبقى هنالك محفوظة بعد غيبتها عن مباشرة الحواسّ لتجردها عن المادّة ضربا من التجرّد، فيحكم فيها بالجمع و التفريق، و التركيب و التفصيل، فيفرد بعضها عن بعض، و يركّب بعضها إلى بعض، فيحلّل الأشخاص إلى الأنواع، و الأنواع إلى الأجناس، و الأجناس إلى أجناس الأجناس، و كذا يستخرج بالتحليل فصولها القريبة و البعيدة.
ثمّ تركّب الأجناس بالفصول، و يحصل الأنواع، و أنواع الأنواع، كلّ ذلك بحسب صورتها الجزئيّة المثاليّة.
[١] ما يجيء في صدر هذا الفصل من الكلام حول العقل الفعّال مقتبس من السياسة المدنيّة للفارابي: ٣٥ (بيروت- المطبعة الكاثوليكية ١٩٦٤). و ما يتلوه من نقل الآثار و الروايات في فضل العلم مقتبس مما ذكره الفخر الرازي في تفسير الآية.