تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٧ - فصل قوله تعالى و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك
و قد يتجلّى بصورة ناقصة من صور الأكوان كالمرض و الاحتياج و الفقر، كما
أخبر الحقّ عن نفسه بقوله: «مرضت فلم تعدني، و استطعمت فلم تطعمني» [١]
و قوله:
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ [٢/ ٢٤٥]- و أمثال ذلك- فيقبله العارفون مظاهر الحقّ، و ينكره المؤمنون المحجوبون لاعتقادهم بأنّ الحقّ ما يتنزل عن مقامه الكمالي؛ فيقبل كلّ منهم ما يليق بحاله و يناسبه من التجلّيات الإلهيّة، و أنكر ما لم يكن يعطيه شأنه، و الإنسان الكامل هو الذي يقبل الحقّ في جميع تجلّياته و يعبده فيها و لمّا كانت العقول الضعيفة عاجزة عن إدراك التجلّيات الإلهيّة في كلّ موطن و مقام، و النفوس الأبيّة طاغية غير معظمة لشعائر اللّه أوجبت إسناد الصور الكمالية إليه تعالى، ورد ما يوجب النقصان عنه؛ مع انّه هو المتجلّي في كلّ شيء، و المتخلّي عن كلّ شيء»- انتهى.
فقد ظهر إن كلّ واحد من الممكنات يعرف معبوده بما غلب على نشأته، فالملائكة لكونهم مجرّدين عن صفات الأجسام يصفون الحقّ بصفات التسبيح و التقديس و لهذا ذكر مجاهد في تفسير قوله: وَ نُقَدِّسُ لَكَ «أي: نطهّر أنفسنا من ذنوبنا و خطايانا ابتغاء مرضاتك» [٢] و بعض الناس كالظاهريين يصفونه تعالى بصفات التشبيه كالاستواء و المجيء و النزول و الغضب و غيرها، و كذا القياس في غيرهم كلّ يصفه بما هو مقامه في الشهود، فأهل الحواسّ بالمحسوسيّة، و أهل الخيال بالموهومية، و أهل العقل بالمعقوليّة، و الكلّ مصيب من وجه و مخطئ من وجه و اللّه تعالى- و هو أعرف بذاته ممّا سواه- و قد وصفه بالصفات المتضادّة و الأسماء المتقابلة.
فقد علم إن الكلّ عاجزون عن درك جمال صفاته، قاصرون عن معرفة كمال ذاته- إلّا من علّمه ربّه بتعليم الأسماء، و هداه إلى معرفته بقصر نظره إليه في مقام الفناء عمّا عداه.
[١] راجع الصفحة: ١١٧.
[٢] الفخر الرازي: ١/ ٣٨٩.