تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠١ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٣٠
أمره من لدنه بغير واسطة، و لذلك لم يستنبئ ملكا من الملائكة العالين في الأرض كما قال: وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [٦/ ٩].
ألا ترى إن الأنبياء- سلام اللّه عليهم- لما قويت قواهم، و فاقت عقولهم و خمدت نار هواهم تحت نور هداهم، و اشتعلت قريحتهم الوقّادة بنور الهداية بحيث يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار أرسل إليهم الملائكة، ثمّ من كان منهم أعلى رتبة كلّمه ربّه بلا واسطة، كما كلّم موسى عليه السّلام في الميقات و محمّدا صلّى اللّه عليه و آله ليلة المعراج و ممّا يؤيّد ما ذكرنا ما أخبر صلّى اللّه عليه و آله في تفاوت درجات أخذه عن اللّه العلوم بحسب أحواله المتفاوتة و ترقّياته في مراتب العقول المفارقة بعد تجاوز المقامات الفلكيّة و نفوسها العليّة، فكان يخبر أحيانا إنّه يأخذ عن جبرئيل عليه السّلام، و إنّ جبرئيل يأخذ عن ميكائيل، و هو عن إسرافيل، و إسرافيل يأخذ عن اللّه. و يخبر أحيانا إنّه يأخذ عن ميكائيل دون واسطة جبرئيل. و أخبر إنه كان يلقي إليه أحيانا إسرافيل، فيأخذ دون واسطة الملكين عليهما السّلام، و أخذ أحيانا عن اللّه من غير واسطة أحد من الملائكة، و ليس وراء اللّه مرمى.
و نظير ذلك في الطبيعة: إن النفس متوسّطة بين العقل و الطبيعة، و هي متوسّطة، بينها و بين الروح البخاري، المتوسّط بين القوى الطبيعيّة و بين الأعصاب و الغضاريف و هي بينها و بين الأعضاء و الأمشاج.
و المراد هاهنا آدم عليه السّلام لأنّه خليفة اللّه في أرضه، او خليفة من سكن الأرض قبله، او هو و ذريّته، لأنّهم يخلفون من قبلهم، و إفراد اللفظ إمّا للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه- كما استغنى عن ذكر أبى القبيلة عن ذكرهم في قولهم: «مضر و هاشم»، او على تأويل من يخلف، او خلفا يخلف.
و أما خليفته في العالم كلّه فهو محمّد صلّى اللّه عليه و آله عند بلوغه إلى المقام المحمود