تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٦ - فصل علم الله تعالى
لأنّه لا يحتاج إلى معرفتها لأنّها فيه و هو علّتها، و جهل العقل ليس عدم المعرفة، بل [هو] المعرفة القصوى، و ذلك إنّه يعرف الأشياء لا كمعرفة الأشياء نفسها، بل فوق ذلك و أفضل و أعلى لأنّه علّتها فمعرفة الأشياء بأنفسها عند العقل جهل، لأنّها ليست معرفة صحيحة و لا تامّة، فلذلك قلنا إن العقل يجهل الأشياء التي تحته نعني بذلك إنّه يعرف [الأشياء التي] تحته معرفة تامّة لا كمعرفتها بأنفسها و لا حاجة له إلى معرفتها [١]، و كذلك النفس تجهل معلولاتها بالنوع الذي ذكرناه آنفا، و لا تحتاج إلى معرفة [شيء من الأشياء] إلّا إلى معرفة العقل و العلّة الاولى لأنّهما فوقها».
و أما المعتزلة فهم لا يقولون بأنّ العبد خالق لحقائق ما صدرت عنه، بل هو بإرادته مبدأ لحركات و سكنات كالأكل و الشرب، و القيام و القعود و غيرها، و له من العلم به بها ما يكفي لرجحان أحد جانبي الحركة أو السكون على الآخر، و هما الوقوع و اللاوقوع.
و حاشا من له أدنى مسكة من العقل أن لا يعقل إن الصبّاغ- مثلا- منّا ليس موجدا لحقيقة الصبغ، و لا لحقيقة الكرباس، و لا لصيرورة الكرباس قابلا للصبغ، و لا لكونه مصبوغا بالفعل- أي منفعلا عن تأثير الصبغ فيه فإنّ من اشتبه عليه ذلك فهو خارج عن حدود أهليّة البحث و النظر، بل الخلاف في أن حركات الصبّاغ كالجمع بين الكرباس و الصبغ، و كتفريق الصبغ عليه من فعل العبد أولا، و كذلك في سائر الأبواب كالبناء، و التوليد، و الكتابة، و الزراعة و غيرها.
ثمّ قال [٢]: قالت المعتزلة: «إذا وقع الجمع بين هذه الآية و بين قوله:
وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [١٢/ ٧٦] ظهر إنّه تعالى عالم بذاته». و الجواب إنّ قوله تعالى: وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ١٠٥ عامّ، و قوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [٤/ ١٦٦] ١٠٦ خاصّ- و الخاصّ مقدّم على العامّ.
[١] أضيف في المصدر: لأنه علة فيها و هي معلولاته كلها، فإذا كانت فيه لم يحتج الى معرفتها.
[٢] الفخر الرازي: ١/ ٣٧٥.