تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٥ - فصل علم الله تعالى
قال صاحب التفسير الكبير [١] «هذه الآية تدلّ على فساد قول الفلاسفة القائلين بعدم علمه بالجزئيّات و صحّة قول المتكلّمين في اثبات علمه بها، و استدلوا على ذلك بأنّه تعالى فاعل لهذه الأجسام على نهج الإتقان و الإحكام، و كلّ ما هو كذلك يكون عالما بما فعله. و هذه الدلالة بعينها ذكرها اللّه تعالى في هذا الموضع لأنّه ذكر خلق السموات و الأرض، ثمّ فرّع على ذلك كونه عالما فثبت إنّ قول المتكلّمين مطابق للقرآن مذهبا و استدلالا.
و يدل أيضا على فساد قول المعتزلة، لدلالته على أن موجد كلّ فعل لا بدّ و أن يكون عالما به على سبيل التفصيل، فلمّا لم يكن الإنسان عالما بكنه ما يصدر منه علمنا انه غير موجد له».
أقول: أما الفلاسفة فلم ينفوا علمه تعالى بالجزئيّات بحسب شخصيّاتها، إلّا إنّهم قالوا «ليس نحو علمه تعالى بها من الإحساس و التخيّل» و مناط الجزئيّة و الامتناع عن الصدق على كثيرين عندهم أحد هذين الأمرين- سواء كانوا مصيبين في ذلك او مخطئين.
و لعمري إنّ خطأ الحكماء و جهلهم في باب المعرفة أولى من إصابة المتكلّم من غير بصيرة. و يؤيد ما ذكره قول معلّمهم و مقدّمهم أرسطاطاليس حيث قال في كتابه المعروف بالمعرفة الربوبيّة بمثل هذه العبارة [٢] « [٣] إنّ العقل يجهل ما فوقه- و هي العلّة الاولى- [و لا يعرفها] معرفة تامّة، و إلّا لكان هو فوقها، و محال أن يكون الشيء فوق علّته و علّة لعلّته، و هذا قبيح جدا، و العقل يجهل ما تحته أيضا [٤]
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٧٥ بتصرفات من المؤلف.
[٢] أثولوجيا، الميمر الثاني (قاهرة ١٩٦٦ بتحقيق البدوي ص ٣٧).
(٣- ٤) في المصدر: ان العقل يجهل ما فوقه من علته و هي العلة الاولى القصوى، و لا يعرفها معرفة تامة، لأنه لو عرفها معرفة تامة لكان هو فوقها و علة لها. و من المحال أن يكون الشيء فوق علته و علة لعلته، و ذلك أن يكون المعلول علة لعلته، و العلة معلولة لمعلولها و هذا قبيح جدا، و العقل يجهل ما تحته من الأشياء كما قلنا قبل، لأنه ...