تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٢ - قاعدة اخرى مشرقية خلق السماء مقدم على الأرض من وجه و مؤخر من وجه
قاعدة اخرى مشرقيّة [خلق السماء مقدّم على الأرض من وجه و مؤخّر من وجه]
ثمّ اعلم إن الإنسان بحسب سيره الباطني كلّما وصل إلى درجة من درجات الكون اتّحد بها و اتّصف بصفاتها و أحكامها و صدر منه أفعالها و آثارها المختصّة، أو لا ترى إنّه منذ أخذ في السلوك من أول تكوّنه من التراب، و هو أنزل مراتب الأكوان و من النطفة، و هي أوهن الصور الجماديّة الحاصلة من امتزاج الأركان، فكلّ مرتبة وصل إليها من النبات و الحيوان تحقّق بحقيقتها و اتّحد بماهيتها، حتّى وصل إلى الألطف فالألطف من الأكثف فالأكثف.
فوصل في جسميّته إلى جرم دخاني هو أشبه الأجرام بالسماء، و في روحانيّته إلى عقل يدرك به كلّيات الأشياء، فلا يزال يتصفّي و يترّقي روحا و بدنا إلى أن يتّحد بعقله العقل الفعّال، و بجسمه صورة السماء المبرّأة عن تفاسد الأضداد و الأمثال، و هكذا يترّقي- إذا ساعده الهداية- من سماء إلى سماء [عليا]، و من عقل أدون إلى عقل أعلى حتّى يصل إلى سدرة المنتهى، عندها جنّة المأوى، كما قال تعالي إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [٣٥/ ١٠].
و بما ذكر من هذه المقدّمات يتذكّر اللبيب البصير و يتمكّن من أن يذعن بأن اللّه بنى ملك السموات و ملكوتها تارة اخرى و عمّرها بأعمال بني آدم، و زيّن بيوتها و بروجها و سقوفها و حيطانها بمصابيح أنوار عقولهم، و اسم السماء إنّما اطلق عليها بعد سموّ قدرها بارتقاء أرواحهم إليها و اتّصالهم بها، و تعمير اللّه ايّاها بزينة أعمالهم و محاسن نيّاتهم، و كان اسمها فلكا و مجرى للكواكب و الدراري.
و بناء هذه المقاصد أيضا على أن الطبائع متجدّدة سيّالة متوجّهة من أنقص المراتب إلى أعلاها، و إنّ الكل بحسب ما ارتكز في جبلّاتهم و غرائزهم إن لم يعقها عائق متوجّهون نحو الحضرة الإلهية، فولّى اللّه وجوههم شطره، و قلوبهم نحوه-